الاثنين، 3 ديسمبر 2012

رفقًا بأنفسكم أيها الثوار


رفقًا بأنفسكم أيها الثوار

المتتبع لحراك الثورة السورية يجد أنه تَمَثل، بادئ ذي بدء، بتظاهرات سلمية، انطلقت في كثير من المدن السورية، تطالب بالحرية والعدالة والكرامة، ثم تطور الأمر فيما بعد، باضطرار، على إثر الوحشية المفرطة التي استخدمتها السلطة الجائرة، فتحول جزء من هذا الحراك إلى حمل السلاح، دفاعًا عن النفس والعرض والأهل والمال والولد، وأخذ تَشَكُّل الفصائل المسلحة والكتائب والمجموعات يتتابع إلى أن وصل إلى ما لم يكن يخطر على بال، من حيث العدد، والتنوع، والقدرات، حتى أذهل ذلك المراقبين، هذه الفصائل التي قد تتباين فيما بينها في طريقة الأداء، وحجمه، إلا أن ناظمين اثنين كانا يمثلان القاسم المشترك لغالبيتها:

 الناظم الأول هو التوجه الإسلامي الوسطي لها جميعًا، ويُفسر ذلك بأن معظم الشعب الذي هو الحاضن الوحيد لمكونات هذه الفصائل هو مسلم، وبأن هذا الشعب جرب على مدى عقود أصحاب التوجهات غير الإسلامية فما زادته إلى رهقا...

الناظم الثاني: وحدة الهدف المتمثل بإسقاط النظام جملة وتفصيلا.

 وتمشيًا مع ما تقتضيه، الحالة تطلب ذلك العملَ على تشكيل كيان يُفترض به أن يكون واجهة للثورة أمام الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، وأخذت المحاولات في هذا الصدد تترى، إلى أن انتهى بها المطاف إلى المجلس الوطني السوري، واكتسب شرعية وجوده بادئ ذي بدء من الثوار أنفسهم، حين سموا إحدى الجمع الخاصة بالثورة باسم "المجلس الوطني يُمثلني" وحاول هذا المجلس أن يقوم بما تعشّم الناس أن يقوم به، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فحال دون ذلك أسباب، جلها خارجي، وبعضها داخلي، وتوجهت إليه سهام المبغضين، وأقلام المحبين، الأولى بالتجريح والفضح بما فيه وبما ليس فيه، والثانية بالنقد الكثير والنصح القليل بطريقة مثيرة، وأسلوب ممجوج إلا ما رحم الله... وانعكس ذلك كله على الفصائل في الداخل؛ فمن مهاجم، إلى متفهم، إلى متريث، وبعد تكاثُف المؤثرات الدولية، والمحلية، وأحيانًا الذاتية، سعى المجلس بعد إجراء بعض التطويرات عليه إلى أن يكون جسمًا بارزًا في كيان، يُؤمل منه أن يكون أعمُّ وأشمل، وأقرب إلى أن يمثل بصورة أجلى وأوضح مما كان يُتَوخِّى المجلس أن يُمثله سابقًا، وهو الائتلاف الوطني السوري، وترجم ذلك مسارعة بعض الجهات الدولية إلى الاعتراف به، وإتباع ذلك بأعمال تُجلي ذلك الاعتراف مثل تعيين السفراء وغير ذلك..

إن البوصلة الوحيدة التي يتطلع الثوار إلى أن يتوجه الائتلاف، بكل أنشطته وأعماله، بموجبها،  ويتناغمون معها، وكذلك الشعب من ورائهم(أي الثوار)هي تلك التي تُؤشر إبرتها إلى أمور ثلاث:

الأول: إسقاط السلطة القائمة (النظام) شكلاً ومضمونًا.

الثاني: تأمين المساعدات الحقيقية والفعالة لتُعين الثوار في تحقيق الأمر الأول.

الثالث: استقلالية قرار الائتلاف، وعدم تبعيته المخلة بأهداف الثورة لأي جهة كانت.

والأمر البدهي المتوقع من الثوار أن يتريثوا ويرقبوا بدقة أعمال الائتلاف، إما عن طريق ممثلين لهم داخله، أو على الأقل من قبل مراقبين مهنيين...

لكن الأمر لم يسر على هذا المنوال بدقة... فسرعان ما علت أصوات تعيد سيرتها التي كانت عليها في حال المجلس الوطني، وانبرت أقلام تكتب، وليتها اكتفت فيما تكتب بالنقد والإشارة إلى الخطأ، ولكن بعضها اتجه إلى التخوين والاتهام بالتآمر والتبعية المطلقة، إلى درجة أن شُبِّه كثير من رجال الائتلاف برجال على الساحة الدولية، احترقت سمعتهم بنار التبعية للآخرين والانبطاح لهم...

هذا وإن كانت السمة العامة والبارزة للفصائل إسلامية وسطية، إلا أن بعضها مضى في أن يتخذ فهمًا خاصًا لبعض آيات القرآن ونصوص الحديث في دعم ما ذهب إليه، من غير أي محاولة لحماية نفسه من الوقوع في إثم الظلم والظن السيء بإخوة له في العقيدة، كان، وما زال، لهم سابقة في العمل الدعوي والجهادي ضد سلطة الفساد في سوريا، فراح يقع في أعراضهم السياسية والدعوية، وأخذت ألسنته الحداد تسلق الكبير والصغير بما يراه، هو، أنه انحراف ومروق... وكذلك من غير أي محاولة لإبقاء جدوى لكلمة نصح أو موعظة، تهدف إلى رأب الصدع، وجمع الكلمة، ولم يفطن إلى أنه لو استمر الأمر هكذا فإن نُذُرًا تلوح في الأفق يُصدِّق قرب وقوعها قولُه تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"

ولأنه لا يساور المراقبَ المنصف، وباغي الخير، أيُّ شك في حسن النيات، ونبل المقصد، فلا يسعه إلا أن يرجو من هؤلاء الإخوة أن يتمهلوا في إطلاق الأحكام، وأن يتريثوا، ويراقبوا، وينصحوا بالحكمة، والموعظة الحسنة، وأن يكونوا عونًا لمن معهم في طريق التحرير، بتشجيعهم على الخطوات الإيجابية، وثنيهم عن الخطوات السلبية برفق ولين، مع البيان بالحجة الدامغة الداحضة، وأن يتفهموا منهم ما كان في إطار دائرة الاجتهاد.

وفي هذا السياق أرى من الجميل والمفيد أن أدعو هؤلاء الأحبة إلى أن يتذكروا موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يوم الحديبية، وكم ندم على وقفته تلك، إذ بقيت هاجسًا له عمل، رضي الله عنه، أعمالاً كثيرة من أجل تكفيرها، ذلك لأن كلماته كادت أن يكون لها وقع في النفوس، وصدًى كبيرٌ لدى الآخرين، ولم لا؟ وهي في الحقيقة كلمات حق ينطق بها رجل، كان من بعض ما أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لو سلك فجًا لسلك الشيطان فجًا غيره... الأمر الذي حدا بأبي بكر،رضي الله عنه، إلى ألا يرد عليه حين واجهه بها إلا بعبارة واحدة ((أما أنا فأقول: إنه رسول الله)) ... نعم لم يجد أبو بكر عنده ما يفند به كلمات عمر أو يدحضها... لأنها حق ولكنها، والله أعلم، لم تأت في الوقت المناسب، ولم تكن مناسبة لحل مجد وناجع في تلك الحادثة...وربما لو استجيب لها لكان لها أثر سلبي...فعمر كان شابًا جلدًا، تغلب عليه حماسة الشباب واندفاعهم، وعدم الرضوخ، ولو كان ظاهريا، لما يبدو أنه إذلال من قبل كبراء قريش... أما أبو بكر،رضي الله عنه، فكان ذلك الشيخ المتريث، المحنك، الذي صقلته التجارب، وزكّى تصرفاته ومواقفَه شدةُ قربه المادي والمعنوي من الرسول صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي نال به لقب "الصديق". وإن كان لعمر، رضي الله عنه ، مواقف تتمشى مع حماسه كانت مأثرة ومحمدة له، كما في حال الأسرى يوم بدر.

ولرب قائل يقول: إن الذي جعل أبا بكر يطمئن إلى صواب فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يستجب لما قاله عمر هو علمه بأن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، هو رسول يأتيه الوحي، فلا بد من قبول ما يصدر عنه ، حتى ولو لم يتماهى مع هوى النفس واندفاعها وحماسها وتطلعاتها... أما اليوم فنحن رجال وهم رجال...وهنا أقول للأحبة الذين يقولون ذلك... إن الله قدّر حصول ما وقع في صلح الحديبية، وسماه فتحًا مبينًا؛ ليكون درسًا تستفيد منه الأجيال القادمة، فتعرف كيف يتعامل شبانها المندفعون المتحمسون الغيورون مع شيوخها الذين سبقت لهم تجربة جهادية، وسياسية، ويُقدرون لهم ذلك، ولاسيما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدر سابقات العمل حق قدرها، في حالة خطيرة، تكاد تصل إلى ما يُطلق عليه اليوم بالخيانة العظمى، كان ذلك مع حاطب بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، حين بعث بمعلومات عن جيش المسلمين لقريش يوم فتح مكة...ولما مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم منه قصة ما فعل؛ انبرى عمر رضي الله عنه مرة أخرى وقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه قد شهد بدرًا، وما يُدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) فذرفت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم.

فهل لكم أيها الأحبة الثوار أن تقدروا ماضي الشيوخ، وتستمعوا لآرائهم، وتتريثوا في الحكم عليها، وتُقدموا حسن الظن بصالحي المؤمنين... وإذا أردتم النصح والنقد فبالحكمة والموعظة الحسنة وإذا أردتم النصح والنقد فبالحكمة والموعظة الحسنةوإذا أردتم النصح أو النقد فبالحكمة والموعظة الحسنة، واعلموا أنكم حين تفعلون ذلك، ولو أخطأتم في بعض الاجتهادات، فإن الله يغفرها لكم، ويكفيكم مغبات تلك الأخطاء، بصدق توجهكم وحسن نياتكم، وتحريكم الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته، الذين كانت كلمة أبي بكر لعمر يوم الحديبية ((فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق)) نبراسًا لهم في جميع أعمالهم.

اللهم بصر الجميع بالحق واجعلهم من أتباعه، ونور دروب العاملين كافة في أرض سوريا الصابرة لإسقاط سلطة البغي والظلم والفساد، وألف بين قلوبهم، واجعل بعضهم لبعض رديفًا ومعينا، واكشف زيف كل من تسول له نفسه الانحراف بالثورة عما بُذلت الدماء من أجله، وكن له بالمرصاد.

محمد جميل جانودي.

الإثنين في 19/المحرم/1434 الموافق لـ 3/كانون الأول/2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق