الجمعة، 5 ديسمبر 2014

أعمدة الحياة الثلاثة (الشكر).

أعمدة الحياة الثلاثة (الذكر والشكر وحسن العبادة):
قال الرسول صلى الله عليه وسلّم لمعاذ: أوصيك بألا تدعنّ في دُبر كل صلاة أن تقول: اللهمّ أعنّي على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك.
كلمات قليلات، أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم حبيبه معاذًا، بعد أن حفز كل عرق فيه، وكلَّ جهاز استقبال، أن يستعد ويتأهب للأخذ بهذه الوصية، كان ذلك حين أمسك بيده يداعبه، ثمّ أخبره بأنه يحبه...
يا معاذ، اسأل ربك بعد أن تفرغ من كل صلاة أن يعينك على فعل أمور ثلاثة...أمور حددها له، فكم هي، إذن، مهمة في الحياة، وكم هي من الثقل والضخامة حتى تحتاج إلى تأكيد طلب العون من الله لأدائها وباستمرار.
قد تم المرور بسرعة على العمود الأول "الذكر" في الإشراقة السابقة.
ثانيًا: الشكر.
اللهمّ أعني على شُكرك، بعضهم يسأل: وهل الشكر سوى بضع كلمات يرددها اللسان، مثل: الحمد لله، أو الشكر لله، أو ما شابهها من عبارات أخرى تقوم مقامها... كلمات يسيرة ..أتحتاج هذا التركيز والحث من الرسول صلى الله عليه وسلم لحبيبه أن يطلب العون من الله لأداء هذا الشكر... وإن كان كل عمل مهما كان سهلًا أو يسيرًا فإنه بغير عون الله تعالى لا يمكن للمرء أن يقوم به.... إلا أن هذا التخصيص والتوصية يعنيان أن الأمر أكبر من أن يكون كذلك...
نعم إن من صور الشكر تلك الكلمات... ولكنها تفقد بريقها وآثارها العظيمة حين لا يكون عمل اللسان مربوطًا بالقلب، القائد الأعلى لكل جوارح الإنسان... فمثلًا حين تريد أمرًا من جهة ما، ويأتي أحد العاملين العاديين فيها ويعدك به، فأول ما يتبادر إلى ذهنك سؤاله: أهذا الوعد من عندك أم بإذن وتوجيه من المدير العام؟ فإن عزا الأمر إلى المدير العام أيقنت أن نفاذه قطعي، وأن حاجتك ستُقضى، فتغدو مطمئن النفس، أما إذا علمتَ أن ذاك الوعد هو من عند ذاك الموظف فقط، فتبقى غير مطمئن إلى أنك ستحصل عليه... وهنا القلب هو المدير العام، والقلوب، كما ورد في الحديث، بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلبها كيف يشاء، فلا يملك اللسان أن يتوجه من قبله إلى بعون من الله تعالى.
والعون من الله، سبحانه وتعالى، على أداء الشكر يتضح بجلاء حين ننتقل إلى الصور الأخرى من صور الشكر وحالاته، والتي هي أهم بكثير من الصورة القولية. فالشكر يكون على النعمة وإسباغها على الإنسان... وما أكثر تلك النعم!!! فالصحة نعمة وشكرها يكون في استخدامها في مرضاة الله، والابتعاد عن سخطه، فلا يستخدم اللسان في غيبة أو كذب أو نميمة، أو تحريش بين الناس، أو تأييد لباطل، أو مدح وثناء على ظالم، بل يتمثل الشكر على صحة اللسان بقول الصدق، وإصلاح ذات البين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذب عن عرض كل مؤمن، وكذلك يكون شكر اليدين باستخدامهما في إعانة الضعيف، ومنع الأذى، وكتابة الكلام الطيب، و... والشكر على صحة الرجلين بالمشي عليهما للمساجد، وزيارة الأرحام والأصدقاء وصلتهم، والجهاد، و... وشكر صحة العينين أن ينظرا في المصحف لتلاوة القرآن، والبكاء من خشية الله، والسهر للحراسة في سبيل الله، وعدم النظر بهما إلى ما حرّم الله.... وهكذا يكون الشكر بالنسبة لصحة باقي أعضاء البدن...
ومن صور الشكر؛ الشكر على الغنى، ويتمثل في الإنفاق في سبيل الله، المحقق في الجهاد لإعلاء كلمة الله، وإطعام الجائع، وإكساء العريان، وإيواء الطريد الشريد، وفتح السبل للتعليم، وعمارة مساجد الله، عمارة مادية ومعنوية، والقيام بالمشاريع التي يعود نفعها للناس كافة، كحفر الآبار، وبناء المستشفيات وتجهيزها، وبناء المدارس، ودور الرعاية....والتحري بدقة عن أولئك الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، فيكفونهم المؤونة، ويكفّونهم عن الاضطرار إلى المسألة... و....
ومن صور الشكر؛ الشكر على العلم، فالعلم من أكبر النّعم التي يهبها الله لعباده، والشكر هنا يتمثل في بذله لمن يحتاجه، والصدع به، وعدم كتمانه، والعمل به، من غير خوف ولا وجل، والحفاظ على حقيقته ومدلوله من غير تحريف أو تبديل، وغير ذلك...
ومن صور الشكر؛ الشكر على نعمة الأبناء والبنات، والإخوة، والأصدقاء، ويمثل الشكر هنا في تربية الأبناء تربية صالحة تفضي بهم إلى أن يكونوا لبنات قوية في المجتمع، ينفعون سواهم من مكونات هذا المجتمع، وفي الحفاظ على الأخوة والصداقة بأداء كل ما تتطلب من حقوق وواجبات....
وهناك صور كثيرة للنعم ولشكرها، ولكن أهم نعمة تستحق الشكر الأعظم والأكبر هي نعمة الهداية إلى الإسلام، الذي فيه فلاح الفرد والجماعة في الدنيا والآخرة، ويتمثل شكر هذه النعمة بالالتزام به بقوة، والعمل بتشريعاته، والتحلي بأخلاقه وآدابه الشخصية والأسرية والمجتمعية، والعمل على إيصاله للآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، والقدوة الصالحة، وعدم تنفير الناس منه بأفعال خاطئة، وأفهام سقيمة....ويكون شكر هذه النعمة، أيضًا، بالذب عن هذا الدين العظيم، علميًا، وفكريّا، وماديًا، بالمناسب من الطرق والوسائل والحجج...
وصور الشكر كثيرة بكثرة النعم التي لا تعد ولا تُحصى، وكما رأينا، فإن أداء هذا الشكر بالذي تم بيانه، لا يمكن أن يكون بغير توفيق من الله وعون ومدد... وهذا ما يجعل المرء يفهم، بجلاء، وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ، رضي الله عنه.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق