الخميس، 8 مارس 2012

رسالة إلى المجلس الوطني


بسم الله الحمن الرحيم
الإخوة أعضاء المجلس الوطني السوري.... حفظكم الله:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
إخوتي الأعزاء، لست في رسالتي هذه في معرض أن أتدخل في شؤون أعمالكم فإن مما لا ريب فيه أن كل واحد يعرف تمامًا ماذا عليه أن يعمل ويسعى إلى القيام به لتحققوا جميعًا عملاً متكاملاً يخدم القضية الأساسية التي من أجلها تم إنشاء مجلسكم المحترم. ولست في معرض أن أضع نفسي واعظًا أو مرشدًا أو ... فأنا أجزم بأنكم جميعًا تفوقونني في هذا المضمار وما لديكم ليس بالقليل، ففيكم العالم الجليل والمربي الفاضل، والقاضي الكبير، والمحامي الحاذق، والفيلسوف المحنك، والكاتب الأديب، والمهندس المبدع، والطبيب الماهر و غير ذلك من المهارات... ولكني أردت من رسالتي هذه أن تكون تذكيرًا..وأود أن أخبركم بأني إذ أخاطبكم بما أخاطبكم به فإنني لا أنأى بنفسي عن أن أخاطبها هي الأخرى بمثله؛ فيما توجب عليها وهو في مقدورها واستطاعتها...
إخوتي الأعزاء، أنتم تعلمون كيف تناديتم لتشكيل مجلسكم، وتعلمون الصعوبات التي واجهتكم في صدد ذلك، وتعلمون الزمن الطويل الذي استغرقتموه حتى حصلتم على ما يمكن أن يكون نواةً للهدف الذي تنشدون.... وعندئذٍ هتف الشعب السوري كله فرِحًا سعيدًا بتلك النواة، وهو يتطلع بشوق ولهفة إلى أن يكسو هذه النواةَ جسم؛ جميع خلاياه حية، تنبض بما تنبض به قلوب الثوار، وتكون جهاز تلقٍ أمين لكل ما يصدر عنهم (عن الثوار)، تلقي تنفيذ وتطبيق لا مجرد تلقي علم واطلاع...
وقمتم مشكورين بالمباشرة بالإعداد لكل ما يخدم هدف الثوار... فشكلتم اللجان والهيئات، والمجالس الفرعية،  وانطلقتم (حسب المتاح) في أصقاع الأرض، تُبلغون وتشرحون... وتدْعون وتطالبون... واكتشفتم في تحرككم هذا؛ كم كانت المهمة التي أردتم القيام بها صعبة، وشاقة؟ وكم هي كثيرة وكبيرة وكؤود تلك العقبات التي كانت تقف في طريقكم بوجه طبيعي أو تُوضع في طريقكم عمدًا...؟ ورُبما لا أكون مجانبًا للصواب إذا قلت أنكم في تحرككم ذاك اكتشفتم أن كثيرًا منكم يسبح في بحر هائج تثير أمواجَه عواصفُ من اتجاهات شتى، وهو لا يُتقن السباحة، وليس ذلك عيبًا فيه وإنما نتيجة أكثر من أربعة عقود من الشلل الذي فُرض على الشعب بوجه عام...  كما أن السفينة التي أعددتموها لهذا الإبحار لم تكن حائزة على أدنى المطلوب...أيضًا لأسباب جلها خارج عن إرادتكم!
إخوتي الأعزاء... إذا كان لا يُقبل من غيركم أن يرجع بأقل من درجة الامتياز في عمل موكل إليه في مجال ما!... فإنه يُكتفى منكم أن تصلوا بالسفينة إلى بر الأمان لأن العمل الذي تصديتم له كبير جدًا؛ كبيرٌ بكِبَر الثمن الذي يدفعه الشعب دمًا مهراقًا على أرض سوريا الحبيبة... حتى إنّ بعضكم ربما لم يكن في حسبانه أن هذا العمل كبير بهذا القدر فرضي – جزاه الله خيرًا – أن يعمل خوفًا من أن يبوء بإثم التهرب من العمل..
إخوتي الأعزاء... قلت ذلك كله لأقول لكم ما بعده... وهذا القول سأجعله أسئلة تُطرح عليكم بصفتكم مجلسًا وطنيًا سوريا (أو كأفراد) شُكل للتحدث باسم الثورة ودعمها والأخذ بها قُدماً:
1-                  هل سأل كل واحد منكم نفسه حين يأوي إلى فراشه... ماذا أنجزت اليوم للثورة؟ فإن كان جوابه إيجابياً فليحمد الله ويسأله المزيد وإلا فليعاهد ربه على تعويض ما فرّط..
2-                  هل سأل كل واحد منكم نفسه... هل بدر مني اليوم تقصير حيال الثورة وأنه كان بمقدوري أن أعمل (كذا..) ولم أعمله، ثم سارع إلى تداركه؟
3-                  بما أن أعضاء المجلس من البشر فهم معرضون للخطأ العفوي والخطأ العمد؛ فهل تنادى مجلسكم الموقر لاجتماع كي يقول للمخطئ: أنت أخطأت، ومن ثم يُصار جديًا إلى تصحيح هذا الخطأ وقطع دابر ما نتج عنه؟.
4-                  قد يحتاج القيام بعمل ما لصالح الثورة، أو المجلس، أن يخدش حظًا من حظوظ النفس فهل ألقيتم هذا الحظ جانبًا مقابل إنجاح ذلك العمل؟
5-                  هل كانت لجانكم المختصة بأمر ما، تقوم بهذا الأمر أمام الهيئات الدولية بوضوح وجلاء من غير تمويه أو تنازلات، محاباة لتلك الهيئات؟ وبعبارة أخرى : هل أخذتم ما أسند إليكم فعله بقوة؟
6-                  هل تناوبتم على مدى الأربع وعشرين ساعة من أجل متابعة ما يجري على الساحة السورية ميدانيًا، وانطلقتم في إثر تلك المتابعة إلى اتّخاذ ما هو لازم إزاء ما يجري على المستويات كافة : إعلاميًا، وإغاثيًا، ونصرة، وعزاءً، وشحذًا للهمم، ... فعلى سبيل المثال: لنفرض أن شهيدًا أو أكثر ارتقى إلى ربه في منطقة ما؛ فكم هو جميل أن  يبادر ممثلو تلك المنطقة في المجلس (أو من المجلس كله) ما يُشعر بأنهم أحسوا بذلك، وعرفوا عن حيثياته الكبيرة والصغيرة، ويكون لذلك أثر طيب في النفوس فضلاً عن كون هذه المبادرة تعبيرًا عن وجود صلة روحية وعضوية بين المجلس والشعب،وإن ظهور مثل هذه المبادرة غير متعذر، وليس صعبًا، فيمكن أن يكون- على الأقل- على صفحات التواصل الاجتماعي أو في الفضائيات أو في موقعكم الإلكتروني.. أو بأي طريقة..
7-                  إن كثيرًا من التساؤلات تنطلق على ألسنة محبيكم، ومؤملي الخير فيكم، حول أمور لم يرتاحوا إلى ما آلت إليه، أو إنهم لم يقتنعوا بما تناقلته وسائل الإعلام بشتى أنواعها، من تفاسير وشروح؛ أو حتى ما يُشاع بين الناس عنها، فهل صارحتم هؤلاء الناس بالحقيقة، وأطفأتم ما في صدورهم من شوق الوصول إليها.
8-                  هل تداعيتم إلى إنشاء صندوق خاص بأعضاء المجلس( غير صندوق المجلس العام لقضاياه) يُزوَّد من جيوبكم كنسبة مفروضة ولو كانت قليلة (كل حسب طاقته)، أو تُجبى له تبرعات ممن تعرفون من أهل الخير، وذلك للحالات الطارئة والحرجة، والتي لا ريب أنكم مررتم بها، ولمرات!!!
9-                  هل جربتم أن تجبُّوا الغيبة عن أنفسكم بالردود المنطقية والمعقولة وكذلك في حدود معينة؛ فليس المطلوب الرد على كل كبيرة وصغيرة؛ وحين تدرؤون الغيبة عن أنفسكم فأنتم بذلك تؤدون عدة خدمات: منها تُثْلِجون صدور محبيكم، وتهدون الحائر في أمركم، وتفوتون الفرص على المغرضين الظانين بكم ظن السّوء.
10-              إن في دروب العمل فرصًا، ربما لا تأتي مرة أخرى... فهل أعددتم العدة لاقتناصها، وعدم السماح لها أن تفوتكم، وذلك في مختلف المجالات الإعلامية والسياسية والاجتماعية والمالية وغيرها..؟
إخوتي الأعزاء، الذي أريد أن أذكّرَ به كل واحد منكم هو أن يعلم أنه مسؤول أمام الله يوم القيامة عن أداء الأمانة التي حملها... وأن سؤال الدنيا (وإن كان سيتم) سهل ويسير أمام سؤال يوم الدين... ومسؤوليتكم ليست صغيرة؛ كما أن أجر من يقوم بها على الوجه الذي يُرضي به الله تعالى ليس قليلاً... فأرجو أن تتدبروا ما طرحت عليكم من أسئلة، وغيرُها كثير، وما أوردتُه كان على سبيل المثال لا الحصر، وإن الأمر لجد وليس بالهزل، وليفكر كل واحد منكم في أنه واقف بين يدي الله عز وجل؛ وهو يُسأل عن هذه الأمانة... عن نصرة شعب مظلوم، دماؤه تسيل كالأنهار، وأعراضه تنتهك، وأمواله تُنهب، و... ويُسأل كذلك عن عدم إحباطه لمكر يُمكر، وخططٍ توضع، وأفخاخ تُنصب، وجيوشٍ تُجيش، لطمس الحقيقة، وتزويرها، وهذا كله حرب أخرى... فهل أنتم مستعدون لأن تجيبوا عما تصرفتم حيالها، وعن مدى التزامكم بمقولة عمر رضي الله عنه: لست بالخبّ ولا الخبُّ يخدعني... وهل وضعتم أمام أعينكم مقولة  قِيْلت في خالد بن الوليد – رضي الله عنه - وهو يخوض معركة الإيمان وتحرير الناس من كل عبودية لغير الله: ((كان لا ينام ولا يُنيم)).
إخوتي، والله إننا لندعو لكم جميعًا من أعماق قلوبنا أن يأخذ الله بأيديكم، ويصلح أعمالكم.. ولكن، كما تعلمون، إن الله سبحانه وتعالى ربط التغيير بمبادرة الإنسان للسير في طريقه، فبادروا أنتم بالتغيير، واعقدوا العزم، وانفوا الخبَث، وأروا الله ثم الثوار منكم ما يكون في مرضاته، وفي الوقت نفسه تطيب نفوس الثوار به.. فوالله إنهم ليستحقون الكثير..وأقل ما يجب أداؤه لهم ألا يُحسّوا أنهم أُتُوا منْ قِبَلكم... وإنكم لتعلمون أن قدرَكم، يا أعضاء المجلس الأعزاء، أن يكون أدنى مهامكم مواكبة الثورة، وهي – كما ترونها – فتية شابة ولله الحمد، فشمّروا عن سواعد الجد، وكونوا (على الأقل) بمحاذاتها لا خلفها.
أرجو منكم أن تسامحوني فيما إذا كنت قد أخطأت بحقكم في رسالتي هذه، فما هي إلا اجتهاد اجتهدته؛ فإن كنت مصيبًا فمن الله، وإن كنت مخطئًا فألتمس العفو منه أولاً ثم ممن أخطأت في حقه ثانيًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم/ محمد جميل جانودي.
الأربعاء 14/ربيع الآخر/1433 الموافق لـ 7/آذار/2012.


الثلاثاء، 6 مارس 2012

قليل أن يمجد فيك شعري

قليلٌ أن يُمجّدَ فيك شعري
مُهْــداة إلى حي (بابَ عمرو)
شعر/محمد جميل جانودي
قَـــــليْـــلٌ أن يُمَــجِّد فِـــيْــكَ شِعْــري        ولَنْ يَــرْقَى لِـقَـــدْركَ بَــابَ عَــــمْـرِو
فَـــــأنّى لِــلْحُـــروفِ وإن تَــدَاعَـــتْ       لِنُـــصْرَةِ بَـــعْـــضِهَـــا سَطْــرًا بِـــسَطْرِ
بِأنْ تقْـوى عَـــلَى وصْـفٍ بَليْـغٍ        لأمْــــجَادٍ وتَـــــــأْلِـــــــيْـــــــــفٍ لِـــسِـــــــــفْـــــــرِ
وَأنّــى لِـلْحُـــروف وإن تَـــــعَـــــنّـــتْ        تُجِــيْـــــدُ الْــقَــولَ فِــــــي كَـــــــــرٍّ وفـــــــــرِّ
وَأنّـى لــلْــقَــــــــوافِـــــي أنْ تُـــــــدَانِـــــــي       مَــلاحِــمَ سُــطّـــــــرتْ بـــدَمٍ كَــنَــــهْــــــــرِ
مَــلاحِـــمَ بَـــــيْـــــــنَ شَيْـــطانٍ مَــــريدٍ       وبَــيْــــــنَ مُســـالِمٍ يَــــــــدْعُــو لِخَـــــــــيْـــــرِ
مـَـلاحِـــــــمَ لـَمْ تَــكُـــــنْ إلاّ دفـــاعـــًا        عن الْـــحقِ المُهـــانِ بسَــوطِ قـهْـــرِ
مَلاحمَ خَـاضَهَــا شعْــبٌ أبـــــــيٌّ         يَـصُـونُ الْعِــرضَ فيْها ضـدّ عُهْرِ
وينتَــزعُ الْــكَــرامةَ من لُـصُـــوصٍ        عَـــــلى جَـــبَــهــاتِــــهم شَــــاراتُ غـــدْرِ
ويُقْــصيْ عَــــــــنْ مــراعِــيهِ ذئَـــابــًا        رمَــــت أقـْــــــــذارَهــا في كلِّ شـــبْــــــــرِ
ويَــغْـــرسُ في مَـــرابِــــــــــعِــهِ ورُودًا        تَـــفُــوحُ عَــلى الأَنَـــامِ أرِيْــجَ عِطْـــــرِ
مُحَــالٌ لِــلْـــــيَـــــــــــراعِ وفَــــــاءَ حَــــقٍ         لِــبَــــــاذل نفــسِــهِ في "باب عَـــمْرِو"
بِرُوْحِيْ عِشْتُ حيْـنًـا في سَـمَاهُ        وهذا "الحِيْنُ" يَـــعْــــدلُ ألفَ شـــهْرِ
فَعَــايَشْتُ الْبُطُــوْلَةَ وهْي تَــــروِيْ       حِــكايَـــــــاتٍ لِصَـــقْـــرٍ إثْـــرَ صَـــقْــــــرِ
وإيــْــــثَـــــــــــارًا يعِــــــــــزُّ لـــه نَـــــظـــــيْــــــرٌ       سوى ما كان في الأصْحَابِ يَجري
وعــايَشْتُ الصّــمودَ بــوجْـهِ عَاتٍ       رمَــى الأحْـــرارَ جـــمْرًا بعْـــد جمـْــرِ
وأبْصَـــرْتُ الأشَــاوسَ في سِبـــَاقٍ       لِــــــنــيْــــــلِ شهَـــادةٍ وشِـــفــَــــاء صــــدْرِ
تـصَـــــدّوا للأعـَــادي في مَضــــاءٍ       وبسْمَــــــتُـــهُــــــم تُزيِّــــــــنُ كلّ ثَـــغْــــــــــــرِ
رَضُـــوا بقَـــضـــاءِ مَوْلاهُم فَعَــادوا       بِــــراحَـــةِ أنْـــفُـــــــــــسٍ وســـَـــــــدادِ أمْـــــرِ
وإخْـــوانٌ لــهُــــــم لَــــــــــبَّـــوا نِــــــــدَاهُــــمْ       أتَـــوهُـم نَـــجْـــدةً من جَـــيْشِ حُــــــــــــرِّ
فأبْـــلَـــوا في قِــــتــالِ الشـرّ حـَــتّـــى        تـَــضَــــوّع ذِكْــــرُهُم في كلّ مِـــصْـــر
وحَــاولَ فِــيْهـــمُ الأعْـــداء مَـــكْــــرًا        فَـــــأُحبـــطَ مَكْـــرُهم بِعَـــــظــيْـمِ مــكْـــــرِ
هُـــدُوا لِطــريْقــةٍ فِــــــــــيْــــــــهَـــا نجـــاةٌ        لَهُــم ولأهْــــــلِــــهِمْ من كَــــيْـــــــدِ كُــــفْـــرِ
تـَـــنَـــحّــوا جَـــانِــبـــًا حَــــتَّى تَـــــــوارَوا        وخَابَ عـدُوُّهــــم ومَـــضَى بِخُـسْـــرِ
وعَـضَّ عَلَى الأنَامِلِ مِنْ سُعارِ       ومــنّى نَــــفْـــسهُ، كَــــــذِبًا، بِنَــــصْـــرِ!
السبت 10/ربيع الآخر/1433 الموافق لـ 3/آذار/2012

السبت، 3 مارس 2012

هل حقّا (( الثورة سبقت بعلمانيتها ومدنيتها...؟)!!


هل حقّا (( الثورة سبقت بعلمانيتها ومدنيتها...؟)!!
في برنامج ((حديث الثورة)) ليوم الجمعة الثاني من آذار لسنة 2012  الذي تقدّمه فضائية الجزيرة قال أحد المشاركين، وكانوا أربعة[1]، في معرض حديثه عن الثورة السورية.... والمعارضة: إن الثورة تقدمت كثيرًا عمن هم في الخارج بمدنيتها وعلمانيتها ففي الخارج نجد من يدعو إلى طائفية ومن يدعو إلى أسلمة الثورة ومن يدعو إلى ....
 ترددت كثيرًا في الرد على هذا القول... من منطلق أنه لا يستأهل الرد... فقد مل الناس من مثل هذا الكلام الذي يتضمن بنفسه الرد... ولكن سأسأل الأستاذ المعنيّ الذي أكن له الاحترام:
أين وجد السبقَ الذي يصف به الثورة بأنها تقدمت في علمانيتها عمن هم في الخارج...؟ هل وجده في انطلاقها من جميع مساجد سوريا بلا استثناء؟ هل وجده في الشعارات التي يُطلقها المتظاهرون وهم يحملون أرواحهم على أكفهم مثل ((بالملايين للجنة رايحين)) أو ((يا الله ما لنا غيرك)) أو (( لبيك...لبيك...لبيك يا الله)) أو في أسماء الجمع مثل ((الله معنا)) وجمعة (( الله أكبر على من طغى وتجبر)) أو جمعة (( لن نركع إلا لله)) ... أم إن علمانية الثوار تجلت عنده في إصرار الناس على من اختاره الله شهيدًا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة على أن يقول ((لا إله إلا الله – محمد رسول الله) أم إنها تجلت فيما يظهر على ألسنة أمهات الشهداء وذويهم بأنهم احتسبوا ابنهم عند الله، وأنهم سعداء بذلك الاستشهاد؛ ما دام أن ذلك سيمضي بابنهم إلى الجنة ... أم بصلاة الجماعة التي يقيمها الثوار بين حين وآخر كلما سنحت لهم الفرصة لذلك...
في الحقيقة؛ لست أدري بمَ سيجيب الأستاذ على ذلك... ربما يُجيب بالعبارة التي اتفق عليها مع أصحابه الذين يرددون الكلمات نفسها.. (( الشعب السوري متدين ومسلم بالفطرة... وهذا أمر طبيعي..وأنه (أي الشعب) لا يقصد ما يزعمه "الإسلاميون" من أن الإسلام دين ودولة ويهتم بشؤون السياسة والحكم وغير ذلك..)) وكأنهم بهذه المقولة يتهمون الشعب السوري بالسذاجة وقلة الفهم...
 إن الذي يبذل روحه طمعًا في دخول الجنة تصديقًا بما جاء في القرآن الكريم (( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يُرزقون))  لا يمكن أن يثني عطفه معرضًا عن قول الله تعالى (( وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم..)) ولا يمكن أن يعرض عن قوله تعالى (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل))... ولا يُمكن أن يعرض عن قوله تعالى ((وأمرهم شورى بينهم)) ولا عن قوله تعالى (( وشاورهم في الأمر)) ولا عن كثير من الآيات الكريمة التي نزلت لتبين للناس نمط حياتهم، وطريقة معاشهم، وطبيعة العلاقة فيما بينهم أنفسهم، وكذلك العلاقة بين المحكوم الحاكم، وكذلك العلاقة بين الإنسان وربه... فهل يريد الأستاذ بقوله: إن الثوار سبقوا بعلمانيتهم ومدنيتهم، يعني أنهم يقولون للدين الذي أنزله الله تعالى وبيّنه رسوله صلى الله عليه وسلم: تنَحّ عن شؤون حياتنا، عن بيعنا وشرائنا، وأمور مصارفنا، وعقوباتنا وقضائنا، واقتصادنا، وحربنا وسلمنا، وإنما سنأخذ بك في أمور طلاقنا وزواجنا، وطهارة أبداننا، وثيابنا، وأدائنا لشعائرنا دون أن نستلهم منها ما ينفع في حياتنا وتسيير أمورنا... فنحن علمانيون؛ والعلمانية تقتضي ذلك التنحي...هل سمعهم يقولون ذلك أو يلمحون به ولو بالإشارة... ؟
لا يا أخانا الأستاذ... إن الثوار هم على درجة من الوعي والفهم بدينهم أكثر بكثير مما يظنه الآخرون بهم (بغض النظر عن كون هذا الظن عَمدًا أم سهوًا).. إن الثوار يعرفون حق المعرفة أن الإسلام نهى عن الظلم حين تعلموا في الحديث القدسي: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا...وهم يعرفون معنى ((يا عبادي)) أنها تشمل الناس جميعًا فلا يجوز ظلم أي من البشر بغض النظر عن عرقه أو جنسه أو لونه أو دينه...ومن ثم فإن سياستهم في الحكم ألا يُظلم أحد أيّا كان... والثوار يعرفون أنهم مأمورون أن يحكموا بين الناس ( وليس فقط بين المسلمين) بالعدل... وكم هي القصص التي تروي كيف أن القاضي المسلم حين كان يجلس بين يديه خصمان أحدهما مسلم والآخر غير مسلم أنه كان يسوي بينهما في كل شيء حتى بطريقة الجلوس، وطريقة مخاطبته لهما، وكثيرًا ما كان يحكم لغير المسلم على المسلم... وإن الثوار يعلمون من دينهم أن لغير المسلمين في الوطن الذي يعيشون فيه مع المسلمين حقوقًا لا تقل عن تلك التي للمسلمين في الأمور العامة... وأن الإسلام قد أوصى بالعناية بأولئك النفر من غير المسلمين الذين اعتكفوا في بِيَعِهِم وكنائسهم، وألا يُمنعوا من ذلك وأن تترك لهم حرية التعبد بما يرون...((لا إكراه في الدين)).. وإن الثوار يعلمون أن من دينهم كذلك عدمَ محاباة أحد بسبب عصبته أو قبيلته أو قوميته أو دينه (( لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها)).. وما أحسب أن قصة عمرو بن العاص مع القبطي حين اقتص الخليفة عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- للقبطي من ابن عمرو ببعيدة عن أذهانهم.. بل إنهم يعرفونها جيدًا، ويضعونها نبراسًا لهم ليطبقوها مستلهمين ذلك من تاريخ دينهم المشرق...ومن أفعال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين حملوا الدين بأمانة وصدق إلى الأجيال المتلاحقة؛ هم ومن سار على نهجهم... وغير ذلك كثير... وإن الثوار حين يعلمون ذلك ويسعون إلى تحويله إلى واقع معاش.. فهم يعملون ذلك بصفتهم ((مسلمين )) لا ((علمانيين))، وهم فخورون بذلك الاسم الذي سماهم به أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وإن من عدم الوفاء والبر لأي إنسان (أو مجموعة) أن نسميها بغير الاسم الذي هي ارتضته لنفسها...فقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننادي الناس بأحب الأسماء إليهم... ... فكم نتجنى على هؤلاء الثوار حين نستغل عبارات تنطلق من أفواههم يستقون مفاهيمها من دينهم الحنيف مثل (( الكل متساوون في المواطنة)) و ((الشعب السوري واحد)) أو غير ذلك؛ لنلصق بهم زورًا وبهتانًا صفة لا يريدونها... وهم يعلمون أن إسلامهم هو الذي يأمرهم بالأخذ بمضمون تلك العبارات، وليس تلك الصفة... نعم ..هو الذي يأمرهم بالعدل والقسط والعفو والتسامح وعدم الانتقام، ولن ينسوا مقولة رسول الله صلى الله عليه وسلم لصناديد قريش وطواغيتها الذين آذوه وسخروا منه، وأخرجوه من بلده وداره، وحاربوه وجهزوا الجيوش للقضاء عليه، وحاربوا أصحابه، ونكلوا بالمستضعفين منهم أيما تنكيل من أمثال بلال الحبشي، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، وخبيب بن عدي و... أقول إن الثوار لن ينسوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم كلمته التي قالها لأولئك الطواغيت حين مكنه الله من رقابهم يوم فتح مكة : ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) ولم يعاملهم حتى بالمثل... إن الذي علم الثوار هذه الكلمة ليس مُنَظِّرًا علمانيًا أطلق درره هذه من وراء السهوب والبحار؛ وإنما هو نبيهم الذي أرسله الله رحمة للعالمين...
أمرٌ يحز في النفس أن نرى في شعبنا بعد كل هذه التضحيات التي قدمها، وهو مدفوعٌ بإيمانه العميق بربه وكتبه المقدسة وبأنبيائه، الذين جاؤوا بالخير والهدى للناس ... أقول إنه لأمر يحز بالنفس أن نرى ممن يسمون أنفسهم معارضين ويتصدون لإسقاط الظلم والفساد؛ أن يتهموا الثوار زورًا وبهتانًا بما يكرهون، ويُبعدون عنهم ما يحبون، وينادون به بأفعالهم قبل أقوالهم..ولكم نتمنى على هؤلاء الشركاء ألا يلجؤوا إلى جرح مشاعر الجماهير الغفيرة من أبناء الشعب السوري الثائر بمثل هذا الكلام... لأنهم في النهاية لا يجنون من وراء ذلك شيئًا مما يتوهمون جَنْيَهُ.  
قد تبدو العلمانية جميلة ولها بريق ولكن في نظر الذين لم يعرفوا الإسلام، أو أنهم تعرفوا عليه على غير صورته الشاملة والكاملة... ولكن حين يعرفونه على حقيقته سينكشف لهم زيف ما كان يبدو لهم...
إن الثورة ماضية وهي تستظل بقيم الحق والعدل التي حملها إلى الناس أنبياء الله موسى وعيسى وخُتمت بمحمد صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين... ولن يضرها صوت من هنا أو صوت من هناك... ماضيةٌ بقيمٍ تتقازم أمامها كل القيم الأرضية ولا تصل إلى سفوحها... وما أجمل أن يتجرد الناس، كل الناس، من خلفيات ذهنية لديهم، وأن يُقْبلوا على الإسلام الذي ليس لعرب ولا عجم ولا أبيض ولا أسود شرف في صياغته وإيجاده وإنما هو دين رب العالمين، رب الأحمر والأبيض والأسود والفقير والغني والقوي والضعيف.. أقول ما أجمل أن يلقي الناس جميع خلفياتهم الذهنية وراء ظهورهم وأن يُقبلوا على هذا الدين، ويتعرفوا عليه عن قرب من مصادره الحقة، وينابيعه الصافية... وعندئذٍ سيُسْتَمَعُ لكل كلمة يحكم بها أولئك مجردة عن أي هوى.. وبالتأكيد سنراهم يهتفون بملء حناجرهم: نريد الإسلام... وإن الخير الذي كنا نراه في العلمانية لا يعدو أن يكون غيضًا من فيض مما في الإسلام...
السبت 10/ربيع الآخر/1433 الموافق لت 3/آذار/2012
محمد جميل جانودي.   


[1] الثلاثة الباقون هم الأساتذة: عبد المجيد منجونة، وسمير تقي، وكمال اللبواني. أما مقدم البرنامج الإعلامي عبد الصمد ناصر.

الأربعاء، 29 فبراير 2012

قتلوك يا ولدي وأنت بُريعم


هل نفهم بكاءكِ يا أختنا....؟؟!
في الغالب لم تَكُـنْ الْمُذيْعةُ (فوز الخمعلي) على شاشة الإخبارية السعودية[1] تدري أن إذاعتها لخبر مقتل الطفل فداء محمد الضياء من بلدة ((نوى)) على يد محترفي القتل من شبيحة السلطة في سوريا...ستكشف ما لديها من ضمير يقِظ، وقلبٍ حي، وعاطفة جياشة، صادقة ونبيلة... وربما لم تكن مستعدّة لرؤية الدم الطاهر وهو يتدفق من جسد فداء، ووالدُه إلى جانبه، يُحاول أن يحميه؛ فلم يستطع لأن رصاصة القاتل كانت أسرع في الوصول إلى ابنه من قدميه اللتين لم تقدرا على حمله بعد أن رأى فلذة كبده يهوي على الأرض وسط بركة من دمه الزكي...
ومن ثمّ فلم يكن غريبًا منها أن تبكي، وأن تجهش في البكاء...ذلك لأن المفاجأة مروعة في جميع الاتجاهات... هي مروعة للعين فتعلوها غشاوة كي لا ترى فظاعة الجريمة... وهي مروعة للقلب فتتسارع ضرباته معلنًا عن غضبه واشمئزازه مما وعى من تلك الجريمة... وهي مروعة للنفس وأحاسيسها فتحفز الدموع إلى أن تسيل مدرارًا لتخفف من ذهول ما أصابها.... وعندئذٍ ترتجف الأيدي... ويتهدج الصوت وتختنق الحناجر وتختفي الكلمات في سحابة الأسى والحزن التي تُخيم على الحواس والمشاعر... وهذا ما جرى للمذيعة الفاضلة... وقد حاولت أن تضبط عواطفها، وأن تسيطر على مشاعرها وأحاسيسها... ولكنها كانت ضعيفة أمام قوة الفعل... وهول الحدث... وفداحة الخطب... وحق لها ذلك...
 أجل... لأنها فهمت من جملة ما فهمت أن معنى قتل الطفولة هو قتل للبراءة والنقاء والصفاء في أعماق النفس البشرية... وهذا ليس بالأمر الهين ومن ثمّ يستحق البكاء... والإجهاش بالبكاء... وفهمت أن معنى قتل الطفولة هو قتل للأمل العريض والفسيح، الذي تتطلع إليه الأجيال وهي تبني نفسها وأمتها بادئ ذي بدء من مرحلة الطفولة... وإذ بالأمل يتلاشى...بتلك الطلقة القذرة بقذارة مطلقها...وهذا ليس بالأمر الهين أيضًا وهو يستحق البكاء ... والإجهاش بالبكاء.... وفهمت من جملة ما فهمت أن معنى قتل الطفولة هو الإعداد لمستقبل أسود، ومصير مجهول؛ لأمة كانت تتطلع إلى أطفالها على أنهم زهرات ذلك المستقبل، ونُوى ثمارها اليانعة... وهذا ليس بالأمر الهين وهو يستحق البكاء والإجهاش بالبكاء... وفهمتْ أيضًا أن معنى قتل الطفولة هو قتل للإنسانية جمعاء... لأن ذلك يعني إجهازًا على كل ما يضمن للإنسانية الاستمرار لتعمر الأرض بالصالح من العمل، والنافع من الجهد... وهذا والله لأمر جلل؛ يستحق البكاء والإجهاش بالبكاء.... فهل أدرك أولئك الذين يدافعون عن هذا القتل وهؤلاء القتلة عِظم الجريمة التي يرتكبونها بحق الإنسانية وآمالها ومستقبلها؟؟... ولن يفعل ذلك أحد عنده عقل راجح، وقلب واع، وبصيرة نافذة وإحساس مرهف... لأن من يملك كل أولئك لابد أن يفهم مثل ما فهمت هذه المذيعة الحرّة الكريمة، ذاتُ القلب الكبير، والفكرِ المستنير.. وهذا الفهم لا يأتي من فراغ.. وإنما نتيجة جهد مضن في تربية مستقيمة، ونشأة صالحة... وأنّى هذا لمن عمل مشرفو التربية عنده على نكس الفطرة، وحرفها عن طبيعتها التي جبلها الله سبحانه وتعالى عليها...
فتحية لك يا أختنا الفاضلة من أعماق قلب كل حر شريف... وتحية للمنبت الحسن، والمنشأ الصالح اللذين نشأت فيهما فَسَمَوَا بك إلى هذا المستوى من الرقي الإنساني الرفيع... وإن أمة ما زال في أبنائها ضمائر حية، وقلوب نابضة بالحق والكرامة لهي أمة جديرة بأن تتبوأ مكانًا مرموقًا وقياديا في المجتمع الإنساني... فلتصبر على وعورة الطريق، وغلاء الثمن... فكل كريم غالٍ ونفيس، وكل وضيع بَخْسٌ ورخيص...
أحييك يا أختنا الكريمة من خلال هذه القصيدة.. وأنا أعلم أن الكلمات لَتعجز عن التعبير بصدق عن سمو المعاني التي كلنا يرنو إليها، وعَبَّرت عنها ببُكائك العفوي الأصيل...     
قَتَـلوْكَ يا ولدي وأنتَ بُرَيْعِمٌ...
اِبْكِي الشَّهِيْدَ وردّدي معـنا الدّعاء    اِبْكِي الطّــفُـولةَ وهْيَ  تُـنْحَرُ في الْعَـرَاءْ
اِبْــــكـي "فـِـــــداءً" إنَّ قَلْبَــــــكِ شـَـــاهِدٌ    لَمْ يستَطِعْ صَمْتًا عَـلى طَــمْـسِ الضِّيَاءْ
اِبْـــــــكِي عَـلَــيْهِ فَـلَـنْ يَـلُوْمَكِ عَـاقِــــلٌ    إنّ الْــمَــلامَـــةَ هَــهُــــــــــنَا مَحْــضُ الْـغَــــبَـاءْ
جُـودِي بِــدَمْـعِـكِ واستَــزيدي سيــلَهُ    أَوَلَـــسْـــــتِ تَـبْكِـيْـــــنَ البـــَـــــراءة والنَّــقَـــــــاءْ؟!
اِبْكِــي عَـلَـيْـــــــهِ فَإنّ دَمْــعَـكِ مُـذْهِـــبٌ    دَرَن الْــــــقَــسَــــــــاوَةِ والبَــــــــلادَةِ والشَّــــقَـــاءْ
يا أُخْـــــتــــــــنَــا، اِبْـــــــكيْ ولا تَـــتَــــردَّدي    فالنَّــفْــسُ يَــهْـــــدأُ رَوْعُــــهَـا حِيْــنَ الْـبُـكَـاءْ
يَــا أُخْــتَـــــــنـــــا إنّ الْبُــــــــكاءَ لَـرَحْــــــمَــــةٌ    مِـــنْ رَبِّـــنَــا سَـكَــنَـــتْ قُـلُــوبَ الأتْـــقِــــيَـــاءْ
اِبْـــــــكِيْ ريَـاحِـــــيْـــنَ الشَّــآمِ وقدْ بــَـدَتْ     في قَـــبْـــضَـةِ الْجَـزَّارِ يـَـذبَــحُ مَا يَشَـــاءْ
اِبْكـــِي الْــورُوْدَ وقدْ غَــــَدَتْ مـدْفـونـةً     تَحـتَ الثَّـرَى، منْ غَــيْرِ مَاءٍ أوْ هَـوَاءْ
لَسْــــتِ الْوحِــيْـــــدةَ يا أُخَـــيَّـــــةُ فَاذْرِفـي   دمْعًا سَخِـيًّـا في الصّبَاحِ وفي الْمَسَاءْ
فَلأَنْـــــتِ نَـحْــــنُ ونَــحْـــــنُ أَنْـتِ وكلّنـَـا    يَـــا أُخْــتَــنَــا فيْمــا نُحِــــسُّ عَـــــلى سَــواءْ
اِبْـــــكِيْ عَلَى الطّـــفْــلِ الّذي أَبْــصَرْتِـه    في شَـاشَـــةِ الرّائِــــــيْ تَضَـــرّجَ بالــدّمَاءْ
مَــــا حَــــالُ والِـــــــــدِهِ الّـــــــذي بِـــجِــوَارِه    لَـمّـــــــا قَــضَـى فـي حُــجْــرِه، يا لَــــلْــبـــَـلاءْ
يَـــرْنُـــــو إلَــيْـــــهِ وقـَـدْ تَــــقَــــطَّعَ قَــــــلْـبُـــهُ    ولَــدِي حَبِــيْــبِــيْ قَـــــدْ رَضِيْــنَـا بالْقـَـضَـاءْ
قَــتَـــلُوكَ غَـــضـّـــًا يا بُــنَـــيَّ بحِقْـــدِهِـــمْ    تـَــبّــــًا لَــهُــــــمْ مِـنْ أَشقِـــيَـــــــــاءَ وأَغْـــــــبِـبَــاءْ
قَــتَـــــلُوكَ يَـا ولَــــــدِي وأنْـــــــــتَ بُــرَيْـــــعِمٌ    لا تَعْــرِفُ الحِقْــدَ الدّفِــيْنَ ولا العَـــدَاء!
قَــتَــــلُــوكَ في وضَــــحِ النّــهَـار لأنّـــهُم     قَـــدْ جُـــرّدوا مِــنْ كلّ خــيْــــرٍ أو حَـيَـاءْ
اِبْـــكِــيْ عَـليْــهِ فَــــــإنّ دمْــعَـــــكِ شــَــاهِـدٌ     يَـــــرْويْ إلى الأجيَــالِ لُــــؤْمَ الأَدْعِـــيَاءْ
اِبْــــــكـِيْ عَــــــلَــيْـــــــهِ بُــــــــكاءَ شــَــــوْقٍ إنَـــّهُ    قَـــــدْ طــار شَــوقـــــــًا لِلْجِـنَــان وللسّــمَاءْ
سَــبــقَــتْــــهُ أتْــــــــرابٌ لَـهُ زُغْـــــــبُ الْحَـــوَا    صِــــلِ طاهِـــــرينَ وأصْـفـِــيَـــاءَ وأبــرِيَـــاءْ
كمْ حَمْـزةٍ ؟ كَم ثَـامِرٍ؟ كمْ هَـاجَـرٍ؟    كم مِنْ (عُلا) أوْدَى بهِمْ أهْـلُ البِغَاء!
اِبْـكِـي علَــــيهِـــــمْ فَـــــالْـــــــبُـــكاءُ يُريْحُـــنـَـا      وبــهِ نَـــــرَى لِمُصَـابِــــنَا حُسْـنَ العَــزَاءْ
جمعة(عذرًا يا حماة......) 11/ربيع الأول/1433 الموافق لـ 3/شباط/2012
محمد جميل جانودي.
انظر الرابط


[1] كان ذلك يوم الأربعاء 1/شباط/ 2012 . 

الأحد، 26 فبراير 2012

مُناجاة أب وأم لابنهما الشهيد

مُنــاجاة أبوين لابنهما الشهيد
ما أحسب أنه كان يدور بخلد المعلم عليّ أنه سيكون أبًا لشهيد[1] وإن كان كل مؤمن يسأل الله الشهادة...وقد علم الله صدق توجهه في إقباله عليه في نفس تخلصت من شوائب الحياة وأدرانها... ثم أخذ يزكي تلك النفس حتى صفت وسمت...لتستعد إلى حياة أرقى وأفضل...عندئذٍ فرّ مُهاجِرًا بنفسه تلك من كونها ملتصقة بالطين والتراب ولعاعات الدنيا إلى فضاء أوسع وأرحب... فضاء تسبح فيه وهي تعايش الصِّدّيْقيْن والصالحين...وتصغي إلى قصصهم وابتلاءاتهم فتزداد سموًا وتحليقًا...ومن ثمّ فإنّ من كرم الله وفضله أن  خصّه – سبحانه - بمزيدٍ من الحفاوة به وبزوجه وأهله أجمعين، وتكريمهم أيما تكريم... وأي تكريم أعظم وأسمى من أن يكونوا أهلاً لشهيد قضى في سبيل تطهير أرض الشام من ذلك الرجس الذي ابتليت به لعقود...
ولأني قريبٌ من الأبوين، قرب بياض العين من سوادها، فقد كنت أعرفَ الناس بما يدور في نفس كل منهما... وبعضه سمعته منهما كفاحًا... ومن هذا وذاك كانت هذه القصيدة التي أهديها لهما ولكل من يُحس بإحساسهما...ولكل أبوين كُرّما بشهيدٍ مثلهما...
ألا يا ليتني لكَ كنتُ مُهْرا!!....
فراقُــــــكَ يا حَبِيْـــــــبِي كان مُـــــــــــــرّا     رحِـــيْــــلُـــك كان يَـــــــا ولَـــــــــــدي أمَــــــــرّا
فِــراقُــك كان يَعْنــي أنّ رُوحِـــــــــي      تُــــــــفَـــــــارقُ جِسْــمِيَ المـكْـلُـــومَ قـَــــهْـــرا
رحِــيْــلُك كانَ يَــعْني أنَّ بَعْــــضي      يُــغَــــــادِرُنِي فَــــــلا أسْــــــطيْـــع صَــبْــــــرا
حَــلَمْــتُ بأنْ أراكَ غَـدًا بِجَــنْـــــبِي      تـُـواسِيـْــــــــني، وأســـــــعَدُ فيْـــــــــكَ دَهْـــــرا
وفــِيْـــــــكَ رأيْــــــــــــتُ آمَـــالي كِـــبــَــارًا      تُــزاحِـمُـــــــني..أراهَـا وهْـــــــــيَ تَــتْــــرى!
وكِدْتُ أطِيْرُ من فرَحِي حَبيبي      لأنّـــكَ قَـــــــدْ كَـــبُرْتَ وصــــــِرْتَ حـُــرّا
بأنْ غادرْتَ[2] جَيْشَ الظُلْمِ نُبْلاً    لِجَيْشِ الشَّعْــــبِ قدْ أصْبَحْـتَ ذُخْرا
تقَـدّمْـــــــــتَ النّمُــــورَ وأنْــتَ لَيْـــــثٌ       تُـــــــكَــبّـــــــــرُ فــيْـــهِمُ ســِــــــــرًّا وجَــــــــهْــــــرا
بِــهِــــــمْ جـَــاوزْتَ يَــا ولَدي الثُـــريّــا      عَــلَوتَ كَـمَـــا عَــــــــلَوا مَـجْـــدًا وَقَـــــــدْرا
وفــِـي "تَــــلْـــبْــيسة"[3] الغـَــرّاءِ أعْـلى    لَـــكَ الـرّحْمَــــــنُ تَـكْـــريْــــــمــــــــًا وذِكْــــــــرا
وفيْــهَـــــــــا وردةٌ حَــمْــــراءُ تــاهَـــــــــــــتْ      على أتْــــرابِهَــا فِي الأرضِ فَــخْــــــرا
بِــــــــثَـــوبٍ أُرْجُـــوانِــــــيٍّ تَــبَـــاهَــــــــــــتْ      وما أبْـــقَـــتْ عَـلى الأسـْـــــــرار سِتْــــــرا
أنــَا و"أميْـــــــــن" كُــنّـــا في عِــــنـــاقٍ      يفُــــــوحُ عِنَــــــاقُـــــنَـــــا مِسْكًا وعِــــــطْــــــــرا
أنَـــــا مَــــــن رامَ شَــمَّـي ذات يَـــــــومٍ     فَــــــإنَّ دمَــــــــــــــــــــاءَه سَـــــــتـــكُوْنُ مَهـْــــــرا
أنــا مَــــــن رام تقبِـــيْــــلي وضَـــمِّـــــي     فـَــــــــإن عَـــــــــــلَـيْـــــــهِ للّـــــــــذَاتِ هَـــجْــــــــــرا
أنــَا أُدْعَــى "الشهَـادةَ" فاعْــرِفُوْنِي      لــقَـــــــدْ أُوْدِعْــــــــتُ يَـــــــــا عُــشّـــاقُ ســـرّا
بُنَــيَّ عَـرَفْـتُ فِــيْـــــــــكَ بِــهَا هِيَــــامًا     لــقَــــــدْ صَــارَحْــتَني فيْ ذاكَ عَـــشْـــــرا
سمِعْـتَ شــروْطَها فأتَــيْتَ تسْعَى      ونفسُكَ لَـمْ تُــطِـقْ مِنْ بَعْدُ  صبْـــــرا
فأسْـــــرَجْتَ الجَــوادَ وكنْــتَ دومــًا      تُـــــــــــــــدَرّبُ ظَــهْــرَه مُـــــــذْ كانَ مُـهْــــــــرا
لــقـَـــــدْ خَــاطَبْــتَـــــهُ يَــومَـــا بصــــدقٍ      وقُــلْـــــتَ لَــــه: ألا يَـــــا صـــاحِ عُــــــذْرَا
أمـا يَكْفِــــــيْـــــكَ رَعْـــيًا ثــمّ نــَوْمــًــا؟      وفي هَـــذيْــــــنِ قـــدْ أفْـــنَـــــــيْــتَ عُـــمْـــــرا
أمــا يَكْفِيْكَ ركْــضــًا في مُــروجٍ؟      وتــقْـــفِــــــــزُ هــهُـــــــنـَــا وهُـــــــــنَـــاكَ، غِـــــرّا
تُــغَــــــــازلُ هَـــــــــذِهِ حِيْــنًا وحِيــْـــــــنـــًا      صَـهِـْــــــيْـــلُك يَــــمْــلأ الآفَــــــاق هَــــــــــزْرا
وأرضُ الشــام تطلُبُنَـــا حَثِــــيْــــــثــًا       نَكُـــونُ لأهْـــلِهَــا سَــــــــنَـــدًا وظَـــهْــــــــــــــرا
لَـقَــــدْ عَــــاثَ الّــلئــــــــــامُ بهـــا فَسادًا     وإذلالاً ونَـــهْـــــــــــــــــبـــــًا ثُـــــــمّ نَـــــحْـــــــــــــــــرَا
فَـاَطْـــرَقَ ثُــمّ هَــمْهَــمَ في حَـــيـــــــاءٍ      وداعَــــــبِ مِنْــــــكَ ظـهْــرًا ثُــمَّ صـــَــــدْرا
وَأحْــنَـــــــى رأسَـــــهُ خَـــجَلاً وحُــــــبًــــــا      وذلّــــل يا "أمِــــيْـــــــنُ" إلَــــــــيْـــكَ ظَــــهْـــرا
ركبْـتَ عـليــْهِ ثم هَــتَـــفْــتَ هـيَّـــــــــا      فـإنّــي قــدْ وعَــــدتُ الْصَّــحْبَ ظُهْـــرا
ومِـلْتَ عَــلَى الأعَـــادي لا تُبَالِيْ      مَــــلأتَ قــلُــوبَــــهُــــم خَــــوفـــــًا وذُعْـــــــــرا
ولَــمَّا حَانَ وقْــتُ الظّهْر صُبَّــتْ      علَـيْــــكَ حِــــــرَابُـــهُــــــــم ورَمَـــوكَ غَـــــدْرا
سَقيْــــــــتَ الأرضَ شـَـلالاً غَـــزيْرًا       تـَـدفّــــــــــــقَ مِـــــنْ فُـــــــــؤَادِكَ واسْـــتَــــحَـــرّا
رَنــَوْتَ إلَى الْجَـــوادِ وكان يَـــبْكي       وسـالَ الدّمْــعُ مِن عَيْــــــنَـــيْــــــــه نَــهْــــرا
فقُـلْتَ لـَـهُ: ودَاعــًا يَا صـَــديْـــــــقي       وســامِـــــحْــنِي، ولا تَـــحْـــــزَنْ وشـُــــــكرًا
أشـَــارَ لِقَــــــلْبِهِ الْمَــرْمِيِّ حِقْــــــــــــدًا       وأطـــلَـــقَ زَفْــــــــــــرةً كبْـــــــــرَى وحَــــــــــــرّى
ونَــــــام مُــوسّــــــــدًا بِكَ مُسْتَريْحــــــــًا     ونِــــمْـــــتَ جِـــوَارَهُ[4]، وقَضَــيْــــــتَ بِــكْرا
لأنّــــــــكَ مُــــوْقِــــــــنٌ بـِــَزوَاجِ بــكْـــــــرٍ       مِـــــنَ الْحُورِ الْحِسَـاـنِ، فَفِضْتَ بِشْرا
هَـــــنِـــيْـــئــــَا للْجَــــوادِ بخَــيْــــر جـــــارٍ        ألا يَـــا لَــيْــــــتَــــــني لكَ كنْــــتُ مُهـْـــــــــرا
السبت 3/ربيع الآخر/1433 الموافق لـ 25/شباط/2012 – محمد جميل جانودي


[1] هو الملازم الأول المهندس أمين قرة علي.
[2] أعلن انشقاقه عن الجيش الأسدي يوم 16/كانون الثاني/2012
[3] مدينة تابعة لمُحافظة حمص.
[4] كان ذلك بعد صلاة الظهر من يوم السبت 12/ربيع الأول/1433 الموافق لـ 4/شباط/2012

الأربعاء، 22 فبراير 2012

ماذا تقولون للأحفاد إن سألوا؟

مع التحية إلى:
أصدقاء الشعب السوري
(إياد) قبيلة عربية، منها الشاعر لقيط بن يعمر الإيادي، الذي كان في بلاط كسرى وعلم أن الفرس يبيتون شرًا لقبيلته (إياد) ... فلم يستطع أن يكتم ذلك ودفعته حميته العربية إلى إبلاغ القبيلة بنية الفرس وهو يعلمُ أنه بذلك يُعرض حياته للخطر... فأرسل إليهم مخبرًا بما ينتظرهم من كارثة ولاسيما إذا باغتهم الفرس بالهجوم.. وكانت رسالتُه، تلك، قصيدةً مشهورةً... جاء فيها:
أبلغ إيــــــــــــادًا وخــــلل في ســــــراتهم    إني أرى الرأي إن لم أُعْصَ قد نصعـــا
يا لهْــف نَـــفسي أن كانت أموركم     شتــــــى وأحْـــــكم أمـــــــــــر النّـــــــاس فاجتمعا
أحـرار فارس أبنَـاء المُــــــــلوك لهم     من الجمُــوعِ جمـــــوعٌ تــــَــــــــــزدهي القـــــــــلعا
في كلِّ يــومٍ يسنُّون الْحِــراب لكم     لا يَهْـــــــــجعُون إذا مَـــا غَـــــــافلٌ هجَــــــــــــــعـا
ما لي أراكُــــــمْ نِيَـــــامًا فــي بُلَهْــــنيَــــةٍ      وقـــــدْ تَــرونَ شِـهابَ الْحَربِ قــــد سطعـــا
فاشْفــوا غَليلي برأيٍ منْــــكــمُ حسَــنٍ       يُضحي فُـــــؤادي لَـــــــهُ ريَّــانَ قدْ نقَـــــــعـــــــا
صُــونوا جِيَـــــــادَكمُ واجْـلُوا سُــيُوفَــكمُ       وجَـــــــددوا للقــــــــسـيّ النّبـــــــــلَ والشّـــــرعـَــــــا
يَــا قَــــــــوم لا تأمَــنوا إنْ كُنْــتُمُ غُــيُرًا      عَــــــــلى نِسَـــائِــكم كِسْـــــرى ومــا جَمَـــــــــعــــا
قُـــومُوا قِـيَــامًا عَـلى أَمْشَــاطِ أَرْجُـلِكم      ثم افْزعُـــــــوا قَـد يَنــالُ الأَمْنَ مَن فَـــــــزعا
هــــذا كتــــــــابي إليْــــــكم والنّــــذير معـــا      لِمــــنْ رأى منْـــــــكمُ رأْيــــــًـــا ومَن سَمِــــــــــــعــــا
وتقول بعض الروايات أن قبيلة إياد اختلفت على نفسها... فأوقع فيها كسرى... وحين علم بما فعل لقيط قطع لسانه....
واليوم هل تتكرر مأساة ((إياد)) ممثلةً بالشعب السوري الذي يتلقى الضربات إثر الضربات التي لا مثيل لها في البشاعة والوحشية ... هل تتكرر حين يشرف على تلك الضربات ويقوم بتمويلها أحفاد كسرى...
إن الجواب على هذا السؤال منوط بمن يسمون أنفسهم ((أصدقاء الشعب السوري)) وأولئك الذين يقولون أن قلوبهم تتقطع على ما يجري فوق ثرى الشام وفي جوفه... الشام الذي يُسميه المسلمون من غير العرب ((شام شريف))، ويتنادون إلى دعم الشعب السوري والعمل بشتى الوسائل على إيقاف طاحونة الموت، ومقصلة الرؤوس..اللتين تعملان على أرض سوريا...
وإنني مثل كل سوري يعتصر قلبه الألم، ويفتش عن أي شَرَفٍ ليقف عليه ويصيح بأعلى صوته...صيحة لقيط بن يَعمر الإيادي...في قبيلة ((إياد))... رأيت أن إطلاق مثل هذه الصرخة من أقل الواجبات لنجدة الشعب المكلوم.. وأرجو ألا ينقسم ((أصدقاء الشعب السوري)) على أنفسهم؛ كي لا يحل بالشعب السوري ما حل بقبيلة إياد، وتغدو الصيحة وكأنها صيحة في واد...أو صيحة لقيط في ((إياد))...
مَاذَا تقُـــــــــولونَ لـلأحْـفَــادِ إنْ ســـأَلُوا؟
هَـلْ رَاعَكُم فِي بِلادِ الشّامِ ما صُنِعَا**** منْ فَــــاجِرٍ، سَفَهًا، فَالشّامَ قَدْ فُجِعَا
طَمَتْ خُـطُوبٌ عَلَيْهَا كان مَبْعَثَها **** مِــنْ تحْـتِ خَيْمتِــهَـا ذُو خِــفَّــةٍ نُـــــزِعَـــــا
آخـَى العَـــدّوَّ ولم يفْـــطنْ لِــغَـــــــدْرتِـهِ **** والغـَـــــــــدْرُ شيْــمَــــتُه، من صـــــــدْرِهِ نَبَعَــــا
قد أغمَضَ الْعَيْن سَهْـوًا في بُلهْنـــيةٍ**** مِـمَّـا يَـفُـتُّ لـَهُ، مُستَــــــــــمْــرئًا، ورَعَـــــى
ظـنّ الْجَهُــولُ بــــــهِ ظَــنّــًا يُدَغْـــدُغُـه **** فَارْتَدّ منْدهِــشًا مِنْ سُوْءِ مَـــا اطّلعَـــــــا
حتّى إذا أَحْـــــكمَ الغَــــــــدّارُ قَبضَـــتَهُ **** أنْسَاهُ، مِنْ لُؤمهِ، ما كانَ قَدْ رَضَعَا
يَا حَسْـــرتاهُ عَـلى قَـومي يَسِيْرُ بِهِمْ **** وغْـدٌ إلى النَّار مُذْ صَاروا له تَبـــعَـــا
نَارِ الْمَجُوْسِ وَفِيْهَا جَمْــرةٌ عَـظُمَـتْ **** في الشّــام ألْهَــبَهَا، للدين قَدْ قَــلَـــعَـــا
يَـرْمـــي قَنــابِــــــــــلَهُ في كلّ نـَــــــــــــاحـــيةِ **** لا يَـــــــرعَــــــوي أبَــــدًا للسّــمّ قَــــد نقَـــعـَـــا
للعِـرْضِ يهتكـــــــــــــُــهُ للطـفْــلِ يَخْطفُه **** للشيْــــخ يُشْــبِعُـــــهُ ضــرْبًـا وَمـا ركعَـــــــا
فِي حِمْصَ مَجْزَرةٌ ضجّت بها أمَمٌ**** في كلّ نـَاحيَــةٍ للمَـــوت قَــــدْ زرعَـــــــــــا
نَــــــادَتْ كثِيْــرًا ولَمْ يَسْـمَعْ لَهَـــا أَحَـــــــدٌ**** حَتّى الْقـريْـــــبُ؛ فَمَا لبّــى وما هُـــرعَــــا
جَاءَ الْمَجُوْسُ وفي أحْشَـائِهِمْ لَهَــبٌ**** حِنْــقًا عَـلى عُـمَــرٍ أو مَن لَـهُ سَمِـــعَا
يبْغُونَكُم هَــمَــلاً لا مَــجْـــــــــــدَ يَرْفَعُكم****تُسْقَـوْنَ كأسَ الرَّدَى يَا بُؤْسَ مَنْ جَرَعَـــا
لكنّ كَـوكَـبةً في الشَّامِ قَــــــدْ وقفَــتْ **** في وجْـهِــهِم وأبَـــــــتْ لليْــثِ أنْ يقَـــــعـَــا
هَـبّتْ تـذودُ عَن الأحْــرارِ مُـخْلِصَةً **** لا تبْـــتَغِي جـَـاهـًــا،لا ترتَجِيْ طَمَـــعَـا
كُــونُوا لَهَـا سَـنَدًا وامْضُــوا لِـنَجْدَتها**** إنّ التَّـــــــــرَدّدَ مَــــــا أجْــــــدَى وما نَــــفَــــعَــــا
إنّ التَّــــــــردّد فــــِي طيّـــاتِــــــــه نَـــــــــــــدمٌ **** يُــــــوْديْ بصَاحِـبهِ أرْضًا ومَـــــــا رفَــعَــا
مَاذَا تقُـــــــــولونَ لِـلأحْـفَــادِ إنْ ســـأَلُوا**** فِيْمَ السّكُـوتُ عَلَى ضَيْمٍ وَمَنْ خَضَعا؟
فِيْمَ السّكُوتُ عَلَى الأعْراضِ يَهتِكُها****ذُو خِسّــةٍ، لمْ يَجِــدْ شَهمـًا لَـهُ رَدَعَــــــا
فِـيْمَ السّكُوْتُ عَلَى الأطْفَالِ يَذْبَحُهَا**** لِـــصٌّ لَئِـيْــمٌ، علَــى أشْـــلائِهِـمْ رَتَعـَـــــــــا
ما ذا تقُــولون للدّيّــانِ يـَــــــومَ غـــــدٍ **** في يـوم حشر وكلُّ النَّاسِ قـدْ خشَعَـا
هَـلاّ ذكَـرْتُمْ يَتَامَى لَيْسَ عِنْـــــدَهُــــمُ****مَا يُسْكِتُ الْجُوعَ أو مَا يُسْـكتُ الوجَعَـا
كَيْـــفَ الْـجَــوابُ إذا التَّاريْخُ قال لكمْ**** صَفْـحَاتُكم أَقْــفرتْ من فارسٍ سطعَـا
لا تَـرْكَــنُـــــوا أَبَــدًا لِـلْــــوعْـــــدِ يُــــــطْـلِـقُـــهُ ****  خَالِي الْمُــروءَةِ، للأوبَاشِ قــدْ جَمَعَـا
يُـعْـــــــطِيْـكُـمُ عَسَــلاً بِـالْـقَـــولِ يُظْـــهِرُهُ **** ويُبْــطِنُ السُّــمَّ حِيْنَ الْـفِعْــلِ مُـنْــــدَفِـعَــــا
شُـــــــــدّوا مآزِرَكُم، لا تُسْـــــــــرِفُوْا أبدًا **** جُــــــــــوْدُوا بِـرِزْقِــكمُ، تــبَّـــًا لِمَــــــنْ منَـعَـــــا
واسْتنْفِدُوا جُهْدَكُم فِيْ جَيْشِ عِـزّتِـكُمْ**** أعْـطُوْه مُهْجَتَـكم يَــــــــكُنْ لـكُم تبَـــــعَـــــــا
أبْــنَاؤه قَـدَّمُـوا مِنْ أجْـــلِكُم مُـهَــــــــجـًــــــا**** رُدّوا الْجَمِيْـلَ لـَهُ فِي نُبْـــلِ مَا صَنَعَــــــــا
إنْ شِئْتُمُ ذلّـةً فـِـي قَــعْـــــــــــرِ مُـظْـلِمــةٍ**** تُـدَاسُ هـَامَـاتُـكم، والْوَجْــهُ قَــدْ صُـفِـعَــا
لا تسْـمَعُـوا قَـوْلِي وارْضَـوا بِعَيْشِـكمُ**** تحْـــــــتَ النّـعَـالِ وتَـعْــسًا لِـلّـذي قَـــنِعَــــــــا
أو عِـزّةً وبِهَا تَـعْلُـونَ فـِــي رَغَـــــــــــــــــدٍ **** ولا يُرَى بَيْنَكُمْ مَنْ خَــــافَ أو جَــزِعـَا
فَامْضُـوا بِــثَــوْرَتِكُمْ لا تَرْجِـــعُوا أبــَدًا**** يَا بُؤسَ شعْبٍ إذَا مَا ثَارَ لَــوْ رجَعَــــــا
نُصْــحِي لـكُمْ إخْوتِي قُوْمُوْا لِعِــزِّكمُ**** طُوْبَى لِمَـــنْ فيْـــكُمُ بِالخَــيْرِ قَـدْ شَرعَــــا
الأربعاء في 30/ربيع الأول/1433 الموافق لت 22/شباط/2012
محمد جميل جانودي