الجمعة، 7 أكتوبر 2011

رحم الله امرءًا عرف حده فوقف عنده


بسم الله الرحمن الرحيم
رحم الله امرءًا عرف حده فوقف عنده....
جاء أبو ذر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه الإمارة، فردّه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ردّاً جميلاً، وشرح له ببلاغة وإيجاز سبب رده إياه... وبين له أنه ضعيف...مع أن الرسول صلى الله عليه وسلّم قال عن أبي ذر: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر...([1] )  
وهذا يعني أن الرد لم يكن بسبب قدح في إيمان أبي ذر ولا في أخلاقه... وأن ضعفه لم يكن في إيمان ولا صلاة ولا طاعة .. وإنما ضعيف فيما يرتبط بالإمارة ومستلزماتها.. من حسن سياسة، وصبر، وروية، وتفهم لطبائع الناس، فلكل طبعه، وطريقةٌ للتعامل معه...وغير ذلك..
ذكرت ما سبق لأبين أن كثيرًا من الناس، وهم أصحاب سبق وفضل في العمل والدعوة وغير ذلك، تراهم يتدخلون بفرض آرائهم في كل صغيرة وكبيرة من شؤون المجتمع، ظانين أنفسهم أنهم فارس القضية المجلّى وأميرها المعنّى، فيما ندبوا أنفسهم إليه...ففي مجال الزراعة تجدهم مهندسي الزراعة المهرة، وفي مجال الطب تجدهم منظرين لأدواء وعلل، وفي مجال الفقه تجدهم يتحدثون فيه وكأن أحدهم أبو حنيفة أو الشافعي، وفي مجال العلوم العسكرية والحروب ينبرون وكأنهم صلاح الدين أو رومل، وقل الشيء نفسه في مجال السياسة...
وليس مجال الحديث عن ذلك هو التدخل في النيات، فإننا نفترض أنهم حسنو النيات، لكن؛ فلنأخذ كمثال على ذلك المجال السياسي، فمن شروط السياسي أن يكون ملمًا كثيرًا بالعلوم السياسية، وأن يكون مرنًا مع تعامله مع الآخرين (شعرة معاوية)، وأن يقرأ الخبر، وما وراء الخبر، بأكثر من عين.. (عينه مثلاً وعيون المجتمع...)، وأن يختار الكلمات المناسبة مع محاوره بحيث لا توقعه في تناقض، أو تكون عليه مستمسكًا يُحرج به، وأن يكون بعيدًا- بقدر ما يستطيع- عن التأثر الذاتي الشخصي العاطفي حين يتعامل مع الآخرين.. فلا يدفعه حب فئة إلى تصويب ما لديها وإن كان خطأ، ولا يدفعه بغض أخرى إلى تخطئة ما عندها وإن كان صوابًا... ولا يسارع في الحكم على الأمور بظواهرها... فينتقد ويفند ويتهم لمجرد صدور عبارات تحتمل وجوهًا عدة، فتراه يعمد إلى اختيار الاحتمال الذي يناسب توجهه..ولا يرى غيره... في حين أن قائلها ربما يقصد أمورًا أخرى لم يُدركها الأول... فلا يمكن التعامل مع السياسة كالتعامل مع عملية حسابية لها نتيجة واحدة فقط، ولا تؤوّل بأي شيء آخر ... هذا التعامل غير وارد في الأمور السياسية... ففي الغالب ليس في السياسة أبيض وأسود...وإنَّ الحكم بالصحة أو الخطأ على جزئية؛ بناء على كلمة انطلقت من هنا.. أو موقف اتّخِذ من هناك في إطار موضوع عام وواسع..هذا الحكم مخالف لأبجديات التعامل الشامل والكلي في السياسة... وغالبًا ما يفعل ذلك أولئك الصنف الذين أشير إليهم آنفًا... ولنعد-مثلاً- إلى أبي ذر رضي الله عنه، وهو مَن هو من بين الصحابة الأجلاء الذي يُعدّ في القمة منهم أمانة وإيمانًا وإسلامًا وصدقًا... لكن لديه صفة ((الضعف في شؤون الإمارة)) فهذه جعلت النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه عن الخوض فيها، وممارستها... لأن ضعفه ذاك ربما يؤدي به إلى أمور يعقبها حسرة وندامة يوم القيامة ، فأراد صلى الله عليه وسلم، بِحُبّه له، أن ينقذه من هذا الموقف العصيب...والتزم رضي الله عنه بذلك..
أقول هذا الكلام، والشعب السوري يخوض ثورته المباركة... في الداخل، وهو يقدّم التضحيات الجسام، فلنرحمه بألا نشتت الأفكار حوله... ولينظر كل واحد منا الجانب الذي يتقنه، وليخدم الثورة من هذا الجانب... وليدع الجوانب الأخرى لأصحابها.. وعندئذٍ يحصل التكامل البناء، الذي يخدم القضيّة بحق، ويخدم الشعب وهو يعمل من غير كلل ولا ملل.. فالفقيه المتبصر يخدم بفقهه فقط، والأديب الشاعر يخدم بأدبه وشعره، والخطيب المفوه الفصيح البليغ.. يخدم بخطبته وبث روح الحماس في النفوس، وليدع هؤلاء ما يتعلق بالسياسة للسياسيين المهرة المحنكين الذين صقلتهم التجارب، ويعرفون كيف يسوسون الأمور... وأرجو ألا يُفهم من كلامي أني أسد باب النصح وإبداء الرأي...معاذ الله، ولكن ليكن ذلك عبر قنوات من شأنها أن تعطي النصيحةُ أكلَها، لا أن تكون فضيحةً تثير بلبلةً، وتفرق كلمةً، وتُمزّق صفًا؛ حتى ولو كان صاحبها لا يقصد ذلك...
ولا يقولَنّ أحد، من باب التحدث بنعمة الله عليه، أنه يُتقن الفنون كلها، وأنه كما يُقال مثلُ النحاس؛ من أي جهة ضربته رنّ وصوّت... فقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بذلك الادعاء... وأولى بأن يتصفوا بتلك الصفة... بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحقَّ بذلك من سائر البشر قاطبة، ولكنه أُثر عنه صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل أن قال: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)).. فلنتق الله في الثورة ورجالها، والعاملين لها أيا كان موقعهم، ولنتريث في التدخل فيما غيرنا يتقنه أكثرَ منا، ولنُمسك عن ذلك سواء كان الأمر تأييدًا ودعمًا أو تبكيتًا ونقدًا.. ولنترك الأمور إلى أصحاب الأمر والدراية فهم أجدر، ولاسيما إذا توافق جمع غفير على الشهادة لهم بذلك إلى جانب الأمانة والصدق...
قال تعالى: (( وإذا جاءهم أمرٌ من الأمنِ أو الخوفِ أذاعوا به، ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لَعلمه الّذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا)) النساء83.
وأي أمر يهمنا الآن أجدر بأن يوصف بالوصف الذي ورد في الآية الكريمة (الأمن والخوف) من أمر يخص الثورة السورية، ومتعلقاتها جميعًا؟؟... فلْيُسنَد كل متعلّق بها إلى من يستطيع- بجدارة- أن يستنبط من ذلك المتعلق ما يعود بالفائدة والخير للثورة ورجالاتها.. وإلا فإنّه يُخشى على من لا يفعل ذلك أن يكون ممن اتبع الشيطان، وهو لا يدري، ومآل ذلك الخيبة والخسران والعياذ بالله.
وأمر آخر؛ أحسب والله أعلم، أن تقديم المفضول على الفاضل وارد هنا، ما دام المفضول يُتقن أمرًا ما، مُحددًا، أكثر من الفاضل، وفي السيرة كثير من الأحداث التي يُستأنس بها في هذا الشأن، كقيادة أسامة للجيش وفيه من هم أفضل منه... وأقول هنا (الفاضل والمفضول) فيما يبدو لنا نحن البشر، أما الأفضلية الحقيقية فلا يعلمها إلا الله تعالى.   
اللهم اجعلنا ممن يهتدون بكتابك، ويقتدون بنبيك، ويتخذون من سيرته مع أصحابه مدرسة لنا نتعلم منها جميع ما يحل مشكلاتنا، ويأخذنا إلى النجاح والتوفيق.
جمعة ((المجلس الوطني يُمثلنا) في 9/ذو القعدة/1432 الموافق لـ 7/تشرين الأول/2011
محمد جميل جانودي


([1]) عن أبي ذر: قلت : يا رسول الله ! ألا تستعملني ؟ قال : فضرب بيده على منكبي . ثم قال ( يا أبا ذر ! إنك ضعيف . وإنها أمانة . وإنها يوم القيامة ، خزي وندامة . إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها  .

الاثنين، 3 أكتوبر 2011

تحية للمجلس الوطني عبر هذه الورقة


بسم الله الرحمن الرحيم
تحية إلى المجلس الوطني السوري الموقر من خلال هذه الورقة
تم في يوم الأحد 4/ذو القعدة/1432هـ الموافق لـ 2/10/2011 تشكيل المجلس الوطني السوري لتمثيل الشعب السوري في ثورته المباركة من أجل قيام دولة الحق والعدل والقانون بعد تنسم الحرية واسترداد الكرامة.
وهي خطوة جيدة وضرورية وملحة ليكتمل العمل التعاوني بين الداخل والخارج، ولا يسع كل سوري إلا أن يدعو لهذا المجلس بالتوفيق والنجاح في أداء مهماته، وأن يُجنبه العوائق الظاهرة والباطنة.
وبهذه المناسبة أردت أن أذكر ببعض النقاط التي ليست بغائبة عن المعنيين من الأفاضل أعضاء المجلس، وكثير غيرهم، ولكن ليقيني أن الذكرى تنفع المؤمنين.
النقطة الأولى: تحديد الهدف من تشكيل المجلس : إيجاد كيان عضوي حركي يتلاحم عناصره مع بعضهم، متعاونين بشغف واندفاع، ليمثلوا الشعب السوري بصورة عامة في العمل على تحقيق هدف ثورته المباركة التي انطلقت في منتصف آذار 2011 وما زالت مستمرة بصورتها السلمية المشرفة بالرغم من المعاناة التي تكابدها متمثلة بصور متعددة من صور القمع معدوم النظير في العالم قاطبة. هذا الهدف يتجه نحو إسقاط نظام الفساد السائد بكل ما تقتضيه هذه العبارة من مدلولات. والانتقال بسوريا إلى نظام الحق والعدل والقانون بعد نيل الشعب حريته واسترداد كرامته من خلال التفاعل الدائم مع حراك الثورة اليومي.
النقطة الثانية: تحديد وسائل تحقيق الهدف وأنواعها، ومنها:
الوسيلة الدعائية التعريفية: عن طريق توضيح مفصل للتعريف بالمجلس وبأعضائه، وبإعطاء لمحة موجزة عن سيرة كل منهم وتاريخه النضالي، وعن المجال الذي يمكن أن ينشط فيه.. فالشعب لا يمكن أن يقبل بممثلين له في هذه المرحلة وهم مجهولون بالنسبة لشريحة من شرائحه، أو أكثر، أو حتى بالنسبة لأفراد منه. وتشمل هذه الوسيلة أيضًا التعريف بالوسائل التي يُزمع المجلس اتخاذها للوصول إلى هدفه بصورة مجملة لا تفصيلية، وتشمل تعريف الشعب بالخطوات المتتابعة التي يقوم بها المجلس من غير تأخير.. وإن كانت هناك بعض الخطوات يتطلب فيها التكتم لدواع أمنية فكل شيء يُقدّر بقدره، وحين تكون النوايا صادقة فلا يمكن أن يُلجأ إلى تبرير ما يُخفى بأن إخفاءه ضروري وهو في الحقيقة نتيجة تباطؤ أو إهمال.. إلى أمور أخرى يكون من المفيد التعريف بها.
الوسيلة المالية: المال هو عصب الحياة، ومن باب أولى أن يكون عصب حياة المجلس وضمان بقائها شابة فتية، حتى يمكنه ممارسة مهامه. وهنا وفي الدرجة الأولى: على كل سوري يهمه نجاح المجلس أن يعتبر نفسه أحد منابع التمويل للمجلس، كل حسب طاقته، ولكن يجب ألا يحكم ذلك الفوضى.. وبعد ذلك يأتي ما يُتاح للمجلس من مصادر تمويل من خلال شركات أو مؤسسات سورية في المقام الأول، وبعدها لا ضير من أن تكون غير سورية على أن يكون الأمر مدروسًا بدقة وحذر حتى لا يتماشى مع ذلك فرض شروط غير مرغوبة أو تكون معيقة لعمل المجلس. ولا يقف الأمر عند جمع المال وتأمينه، بل يتعدى إلى كيفية إنفاقه، وتوزيعه بصور عادلة إلى جميع مناحي إنفاقه عبر لجان المجلس، ويجب أن يكون ذلك كله موثّقًا، ومُعلنًا للناس.
الوسيلة الإعلامية: بالتأكيد سيكون للمجلس لجنة إعلامية، تنشر عبر وسائل الإعلام، على اختلاف أنواعها، ما يُنجزه المجلس من مهام، فيفترض أن يكون نشاطها مواكبًا لمجريات الثورة وأحداثها.. والحذر من التأخر عنها.. كما يُفترض ألا تُغْفل كبيرة أو صغيرة من شأنها أن تعطي دفعًا معنويًا للمجلس أو لشباب الثورة ، بل تبرزها جلية في وسائل الإعلام بوقتها المناسب، وغني عن القول أن هذه الوسيلة تشمل الاهتمام بما يكتبه المثقفون والسياسيون والأدباء والشعراء والقانونيون وأقوال كل من يُدلي بما لديه في أمر الثورة وأمر المجلس، اللذين في حقيقة الأمر هما أمر واحد.. وعلى اللجنة الإعلامية أن لا تضيق ذرعًا بأناس يكتبون وينتقدون من منطلق مصلحة الثورة، وعليها أن تميز بينهم وبين من يدس في طيات ما يكتب أفكارًا ومعلومات، وبيانات مغلوطةً، من شأنها أن تعود إلى الثورة بالضرر. وتشمل هذه الوسيلة تسهيلَ الظهور على وسائل الإعلام لمن ينفع ظهوره، وتسهيل عقد الندوات والمقابلات السريعة زمنيًا أو العادية. ومؤازرة المشاركين بالأفكار الخاصة بالموضوع الذي سيُطرح. وتشمل كذلك إعداد صحيفة أو أكثر تتحدث باسم المجلس، أو مجلة، وبلغات متعددة ولاسيّما الحية منها.كما يحبذ إحداث فضائية إعلامية خاصة به، أو على الأقل تسخير مساحات واسعة من فضائيات النصرة للمجلس، ويحسن أن يكون للمجلس ناطقٌ إعلاميٌ باسمه.
الوسيلة الثقافية: تكون بنشر الوعي، بين الناس، والتحدث عن ما يُنجزه الثوار على الأرض من بطولات وقصص ونوادر، وما يُمارسه النظام القمعي، وكذلك تنشر آراء الناس والهيئات واقتراحاتهم، وانتقاداتهم، لتكون موضع دراسة من قبل اللجنة المختصة من لجان المجلس، الاستفادة من هذه الدراسة في عمل المجلس، كما يمكن أن يكون لها نشاط في تأليف كتب، متعددة العناوين، ذات صلة بالثورة.. (كتب توثيقية، قصص أدبية، دواوين شعر، كتب عن الشهداء، كتب عن المواقف المؤيدة والمواقف المضادة، كتب تتضمن حلقات إعلامية متجانسة ذات علاقة بالثورة؛ مثل كتاب عن حلقات الاتجاه المعاكس أو حديث الثورة أو بانوراما أو أحاديث الأساتذة المهتمين عبر القنوات الفضائية كالأستاذ زهير سالم، والدكتور برهان غليون، والدكتور رضوان زيادة والأستاذ هيثم المالح، وأحاديث الشيخ عدنان العرور وغيرهم وهم كثر وأثرياء فكريًا ونشاطًا ولله الحمد... كما تشمل بتجميع مناسب وموضوعي لأشرطة الفيديو التي أثرى نشطاء الثورة الساحة العامة بها.. ولكنها تحتاج إلى ترتيب ما، إما حسب الموضوعات أو حسب المحافظات أو حسب التاريخ.. كل ذلك يُدْرس...
الوسيلة الأمنية: تكون بالحذر والحيطة، واتخاذ تدابير الحماية والحفظ للمجلس على مستوى الأعضاء أو على مستوى الهدف أو الوسائل، فإن مجلسًا أنيطت به أهم عملية تغيير تشهدها المنطقة منذ أمد بعيد، لا يُمكن أن يتركه المتربصون به من غير أن يعملوا على إعاقة أعماله، وحرفها عن الاتجاه الصحيح، فسيعمدون إلى بلبلة الأفكار، وصرف النظر عن الهدف الرئيسي، وتشتيت الآراء، والتثبيط، والتيئيس وحتى ربما إثارة الشكوك حول الرموز المشهود لها بتاريخ من الجهاد والنضال من أجل الحرية والعدالة...فباليقظة التامة، والمراقبة الدقيقة، والمتابعة المستمرة، والتذكير الدائم، يمكن بكل ذلك تجاوز كثير من العقبات في هذا المجال.
الوسيلة الوقائية: وأعني بها محاولة تتبع ما يُثيره خصوم المجلس والمتربصون به من شُبه، ودعايات، ويسندون إليه من تهم وأقوال وأفعال، ويفسرون ما يكون قد صدر منه على غير المقصود، وذلك بندب جنود عمل من السوريين الذين هم في صف الثورة والتغيير، وممن لديهم الكفاءات العالية للقيام بهذه الوسيلة خير قيام، وليتهم لا يكتفون في هذه الحالة بالمواقف الدفاعية، وإنما يتخذون دور المهاجم ويتعاملون مع الطرف الآخر بمبدأ ( رمتني بدائها وانسلت) أو (ضربني وبكى وسبقني واشتكى) وإن كان الواقع قد تجاوز ذلك فما من أحد تقريبًا يُصدق تلك الافتراءات والتهم.
وسيلة الوجود القوي في الساحات: يجب أن يكون للمجلس وجود ما، يُمثله في كل مكان في العالم، وتتفاوت درجة قوة هذا التمثيل من مكان إلى آخر حسب الأهمية.. فيفترض، أنّى تحرك المرء العادي، أن يجد نشاطًا ملموسًا، ووجودًا فاعلاً للمجلس، يقوم بكل ما ذكر أعلاه لتحقيق الهدف الأساسي من تشكيله. ولا نعجب إذا قلنا أن هذا الوجود قد يكون بأسرة واحدة تعيش في مزرعة، فيكون الأبرز من أفرادها قائمًا بهذه المهمة ولو بأيسر صورها، وقِسْ على ذلك...وعلى هذه الوسيلة أن يظهر نشاطها في المدارس والمصانع ومناطق التجمع البشري، والأسواق، وداخل المؤسسات العامة، والشركات، وغير ذلك.
الوسيلة الرابطة بين الداخل والخارج: ربما تكون هذه الوسيلة من أصعب الوسائل، ولكنها هي بالتأكيد من أهمها، فيجب ألا تنقطع هذه الصلة، بل إن مرتكز نجاح المجلس في الوصول إلى هدفه هو نجاح تحقق هذه الصلة بكل ما تقتضيه من معنى... صلة تشاورية، صلة تكافلية، صلة روحية، صلة تكميلية (بمعنى تكامل الأراء والأفكار وتلاقحها)، صلة تنسيقية بحيث لا يوجد أي تضارب بين ما يصدر عن أحد جناحي المجلس مع ما يصدر عن جناحه الآخر.
الوسيلة الروحية: هذه الوسيلة بنظر كثيرين من أهم الوسائل إن لم تكن أهمها.. فإن الذي ما من شك فيه أن المجتمع السوري مجتمع مؤمن بالله سبحانه وتعالى، بغض النظر عن الدين الذي يتجلى من خلاله هذا الإيمان، وأن جميع الأديان في سوريا مجتمعة ومتفقة على مجموعة من القيم والمبادئ والتي لها ارتباط وثيق بهدف المجلس، مثل محاربة الظلم والفساد، والتمايز على غير أساس العمل الصالح، وهنا تبرز أهمية الطاقة الروحية لدى الناس جميعًا في تحفيز وجود فعال لهذه المبادئ... فتتفاعل القوى العاملة بعيدًا عن أي غش أو خداع أو غدر أو خيانة أو مواربة بدافع قوي من ذلك الإيمان المتأصل في النفس، وبذلك يختصر المجلس كثيرًا من الإجراءات ويوفر المال والجهد... في عمليات الرصد والمتابعة، أقول يوفر ولا أقول يُلغي .. فلا بد من وجود المراقبة المادية كما هو معلوم. فإن عددًا كبيرًا من الحراس ربما لا يستطيعون منع إنسان أن يسرق من مصنع، ولكن إحساسه برقابة الله له يردعه ويمتنع ذاتيًا عن ذلك. وتتمثل هذه الوسيلة أيضًا باستمرار التواصي بين أعضاء المجلس بالحق والتزامه، والصبر على صعوبة الطريق من أجل إظهاره على الباطل. وتتمثل كذلك بإشعار جميع السوريين على أن هناك رابطة من نوع خاص بين المجلس وبينهم، ويقوى هذا الإحساس بأن يبتعد أعضاء المجلس، أيا كانوا، عن أي صورة للأنانية، والتعالي، والتميز على الآخرين؛ سواء في نمط معيشتهم اليومي، أو من خلال أحاديثهم في وسائل الإعلام، فتكون العلاقة بينهم وبين الناس علاقة حب واحترام وتقدير.. لا تسمح للآخرين بأن يصطادوا من خلال تلك العلاقة صيدًا يصب في شباكهم... كما يحاول هؤلاء الآخرون إبراز ذلك في عبارات مثل: الحياة في فنادق خمس نجوم، والترفه على حساب الناس، والارتباط بمشروع أجنبي، وفي الحقيقة يمكننا أن نقول أن المجلس راعى ذلك إلى حد لا بأس به من خلال الصالة المتواضعة التي أعلن تشكله فيها...
النقطة الثالثة: دراسة الأداء والتقويم
لا بد لينجح أي عمل من أن تكون له محطات يتم فيها دراسة النتائج، ومعرفة نجاعة الوسائل المتبعة في الوصول إلى تلك النتائج، نجاحًا أو إخفاقًا، فيُصار إلى تطوير الوسائل ودعمها في حالة النجاح، وإحلال غيرها محلها في حالة الفشل أو تعديلها بما يُؤدي إلى الأفضل... ويجب أن يتم هذا على جميع محاور العمل؛ الدعائي، والإعلامي، والثقافي، والتحرك الميداني. وفي هذا المضمار يُسْتحسن؛ بل يجب على المجلس أن يُصدر بيانات عن كل محطة يُطلع فيها السوريين جميعًا بل وغيرهم من المهتمين بالشأن السوري، على معلومات تشير إلى أين وصل المجلس في طريقه إلى الهدف، وما المشجعات، وما المثبطات...وكل ما من شأنه أن يفيد اطلاع الناس عليه، ويجب أن تتجلى في هذه البيانات المصداقية، والصراحة.
وأخيرًا أسأل الله تعالى أن يأخذ بيد المجلس بمختلف لجانه وهيئاته إلى تحقيق الهدف الذي شُكّل من أجله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد جميل جانودي.

السبت، 1 أكتوبر 2011

هل هؤلاء هم أحفاد أولئك؟...


بسم الله الرحمن الرحيم
هل هؤلاء أحفاد أولئك؟!
كان الروم يمثلون واحدة من قوتين عظميين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تجلّى موقف المسلمين منهم من حيث النظرة العامة إليهم بثلاثة مواقف بارزة:
 الأول: في الآية الكريمة( ألم * غُلِبَتْ الرّومُ في أَدْنى الأرضِ وهم من بعدِ غلَبِهِم سيَغْلبونَ، في بِضْع سِنين، لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وهوَ الْعزيزُ الْحكيم). فقد كان المسلمون ينظرون إلى أن الروم قريبون منهم باعتبارهم أصحاب كتاب سماوي، وكانوا يتعاطفون معهم في علاقاتهم العامة.
الثاني: في قوله تعالى: (... ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى...) فهذه الآية حددت أن النصارى المتمثلين أكثر ما يمكن بالروم... هم على وجه العموم أقرب مودة للمسلمين من غيرهم لاعتبارات عديدة ذكرتها الآية الكريمة.. منها الإصغاء بشغف للقرآن، وتدبر آياته، وخشوعهم عند سماعها بعكس غيرهم الذين كانوا يُديرون ظهورهم للقرآن، ويتحاضون على عدم الاستماع إليه، واللغو فيه.
الثالث: في حديث الإمام مسلم عن المستورد القرشي الذي يحدث به عمرو بن العاص : تقوم الساعة والروم أكثر الناس . فقال له عمرو : أبصر ما تقول . قال : أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : لئن قلت ذلك ، إن فيهم لخصالا أربعًا : إنهم لأحلم الناس عند فتنة . وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة . وأوشكهم كرة بعد فرة . وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف . وخامسة حسنة وجميلة : وأمنعهم من ظلم الملوك .
فهذا أحد رموز الإسلام العظام، عمرو بن العاص، الذي من ألقابه أرطبون العرب وداهيتهم ، يشرح لماذا بين رسول الناس كافة أن الروم يكونون أكثرَ أهل الأرض قبيل قيام الساعة...والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل ما يُقال أن المعروف عنهم أنهم هم الروم في مطلع القرن الواحد والعشرين هم أحفاد الروم في القرن السابع؟ هل هم الذين يكونون أحلم الناس عند فتنة... ؟ وهل إنهم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة؟ وهل هم خير الناس لمسكين ويتيم وضعيف؟ وهل هم أمنع الناس من ظلم الملوك؟
سألقي نظرة سريعة في إجابتي السؤالين الأخيرين لأنهما تعنيان ما أرمي إليه من هذا المقال!
أما بالنسبة للسؤال الأول... فيفترض أنهم -حسب الحديث- يلبون حاجات المسكين واليتيم والضعيف.. أما الخيرية المرتبطة بالأول والثاني (المسكين واليتيم) فتتمثل في تأمين الحاجات الضرورية للإنسان من مأكل ومطعم ومشرب وملبس وأمن وتعليم وحماية من الأمراض وغير ذلك...
وفي الحقيقة لو أننا أردنا أن نحصي المنظمات الإنسانية التي تولى إنشاءها الغرب عامة، والتي تُعنى بما ذكرنا من تلك الحاجات... لعجزنا عن ذلك الإحصاء لكثرتها وتنوعها وانتشارها... ولكن هل هذه المنظمات تؤدي - على الوجه المطلوب - المهام التي أُنشئت من أجلها؟
لا يمكن للمراقب والمتتبع لما يجري على الكرة الأرضية أن يُجيب بكلمة ((نعم)) وهو مطمئن إلى أن إجابته تلك صحيحة وعادلة... ولا أدَلّ على هذا القول من ذلك الكم الهائل من الذين يتضورون جوعًا، ولاسيما في إفريقيا، ويلفظون أنفاسهم بسبب ذلك.. ولدى العالم الغربي من الإمكانات الهائلة ليسد جوعهم ذاك، ولا أقول إنه لا يُحاول؛ إنما الواقع يشهد بمدى اقتراب تلك المحاولة من الجدية... والشيء نفسه يُقال بالنسبة للتعليم والأمراض.. وغيرها.. وحتى نكون منصفين لا يمكننا أن ننفي عنه بالمطلق العمل على تلبية تلك الحاجات، ولكن هل عمله ذاك يرقى إلى درجة أن ينجح في الاختبار السهل الممتنع الذي وضعهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكونوا (أكثر الناس)... والكثرة هنا لا تقف عند الكثرة العددية.. وإنما كثرة يراها الناس بعيونهم متمثلة في كل ما يعود بالنفع إليهم... كثرة في الاهتمام بالآخرين، وكثرة في الحدب والحنو عليهم، وكثرة في العطاء، وكثرة في دفع الأذى والضر عنهم...وكثرة في تحقيق إنسانية الإنسان..
أما بالنسبة لخيريتهم للصنف الثالث وهو الضعيف، فهنا يقف المرء وهو لا يملك إجابة شافية بحق، ولا حتى إجابة جزئية حقيقية عن تلك الخيرية، وكي تكون هذه الخيرية للضعيف حقيقية، يجب أن تكون غير مشروطة، ولا مقيدة، ولا مرتبطة بأي أمر يُعيق وجودها... فيجب ألا تكون مرتبطة بمصلحة، ولا تكون منحازة لضعيف دون آخر، ولا تكون مشروطة، ولا تكون بطيئة... وحاجة الضعيف تتمثل أكثر ما تتمثل فيه بالنصرة ليكون قويًا، ويدفع عنه تغول الظالم وتفحشه... فهل هذا موجود عند الغرب الذين نقول عنهم إنهم امتداد روم القرن السابع وأحفادهم...؟!!
لقد عمل الغرب كثيرًا في هذا المضمار... فأنشأ الأمم المتحدة، ومجلس الأمن فيها، ووضع مواد وبنودًا لنصرة الضعيف، وعدم السماح للقوي في أن يقضي عليه، أو يسلبه حقوقه...ولكن نرى تفاوتًا عند التطبيق... فنراهم ينفرون خفافًا وثقالاً  لمساعدة ضعف مزعوم عند جهة ما، هم بالأصل يريدون مساعدتها حتى ولو لم تستنصرهم، بينما يقومون متثاقلين حين يُستصرخون من جهة أخرى، وتراهم لزموا أمكنتهم وكأنهم غير معنيين بشيء ولا يهبون؛ حتى بأضعف أشكال النصرة الحقيقية، فيما يتعلق بحالة ثالثة... وإلا فماذا ينتظر الغرب ليقدموا خيريتهم في النصرة ودفع الظلم عن شعب ضعيف رزح تحت كل أشكال الظلم والقهر لعقود، وحين رفع رأسه، وصوته، (أقول صوته فقط) ليطالب بأبسط الحقوق سُلِّطتْ عليه أبشع أنواع الإبادة من ذبح، وقتل، واغتصاب، وسلب للأموال، واتهام في أعز ما يملك..من تخوين وتبعية... ومع ذلك نجد (روم هذا الزمان) يكتفون بفعل ما يظنون أنهم قاموا بما لا يجعلهم تحت المساءلة في أنهم يخالفون مبادئهم، وما صدر عنهم في مجال حقوق الإنسان...!!
يمكن تفهم موقف (روم هذا الزمان) عامة، لو أنهم لم يقروا بألسنتهم أن ما يجري في سوريا هو هتك صارخ لحقوق الإنسان... ولكنهم أقروا ... إلا أنهم لم يفعلوا ما يوقف قتلاً، ويُنهي ظلمًا، ويُؤمّن حقًا... وإذا كان ما يقوله بعض المحللين أن الغرب ينطلق من مصالحه الخاصة ليهب لنصرة الضعيف... فلا حاجة لأن نوضح أكثر مما ذكرنا لنعلن رسوب هذا الغرب(روم هذا الزمان) في الاختبار الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم... فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء بـ ((إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا)) وجاء بـ (( انصر أخاك ظالمًا أو مظلوماً))؛ تردعه عن الظلم في الأولى وتكف عنه الظلم في الثانية...
لقد حدد لهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم معالم الكثرة التي وصفهم بها...وترك للزمن وللأفعال والمواقف أن تحدد اتضاح تلك المعالم وبروزها أو تلاشيها واختفاءها... وعلى ضوء ذلك يكون نجاح الروم فيما انتدبوا إليه أو رسوبهم فيه...
نعم يا روم اليوم... لم يُبق لكم الشعب السوري حجة في أن لا تكونوا معه، فعلاً لا قولاً، لتثبتوا لأنفسكم أنكم أحفاد روم الأمس الذين استحقوا هذا الوصف من خاتم الأنبياء والمرسلين... وعليكم حتى تنجحوا في الاختبار ألا تربطوا وقفتكم مع المظلوم بمصلحة آنية، ولا مصلحة جهة ما، أيا كانت تلك الجهة.... وإنما هبوا للنصرة لمجرد النصرة.. وأنتم أدرى -حين تصدق النوايا- كيف يتم ذلك..وإن لم تفعلوا فإن سنة الله ماضية في نصرة المظلوم...أولاً بثباته وإصراره.. وثانيًا باستبدال غيركم ممن يُبرزون معالم الكثرة المعنية في حديثه صلى الله عليه وسلم...أو بغير ذلك مما يشاء الله ويختار!!
إن خير الناس وخاتم النبيين قدم إليكم في هذه الدنيا وسامًا فلا تردوه، وبيّن لكم كيف تحصلون عليه... هذا الوسام هو أنكم ((أكثر الناس)) .. ولئن رددتموه أو تقاعستم في تبنيه شعارًا غير خالٍ من مضمونه ...فسيكون غيرُكم (أكثر الناس)، إن لم يكن بتغييركم كعرق أو جنس؛ فبجيل آخر، نشيط، يأتي محل جيل أريد له (الكثرة) فأبى...
السبت 3/ذو القعدة/1432 الموافق لـ 1/تشرين الأول/2011
محمد جميل جانودي.     

الجمعة، 30 سبتمبر 2011

إهداء إلى الرستن....


إهداء إلى الرستن
شِعر/محمد جميل جانودي
منْ الأحداثِ الكبيرة في الثّورة السوريّة الْمباركة، وكلُّ ما فيها كبير، هو ما جرى في مدينة الرّستن في يوم الختام لشهر أيلول من سنة إحدى عشرة وألفين للميلاد..في جمعة (النصر لشامنا ويمننا)... حدث تجلّى فيه الفرق بين عُنفوانُ الحق وانحطاط الباطل... وبين عبير الخير ونتن الشر... وبين قوّة الإيمان و خَور النفاق والزيغ والبهتان..وتجلّى على الأرض باقتحام ما يقارب مائتي دبابة للمدينة واستبسال أهلها إلى جانب "جيش سوريا الحر" بالدفاع عنها.. ومن وحي هذا الحدث كتبت هذه القصيدة إهداءً للرستن الأبيّة...    
يا قَلْعَـةً في حِمصَ تُدْعَى الرَّسْتَنَا      قَدْ طابَ ذِكْـرُكِ في ربُوْعِ بلادِنا
ذِكْـرٌ تبَـَارَى السَّـامِعُوْنَ بنَقْـلِهِ      عَبْرَ الأَثِيْـرِ فعَمَّ أرْجـاءَ الدُّنى
إنّي لأَسْمَـعُهُ بصَـوْتِ مُكـبِّـرٍ       وأرى سَناكِ يَلُوحُ في حدّ القنَـا
يا قَلْعَـةً صَدّتْ أَعَـاصِيرَ العِـدَا       لمَّـا أرادُوا أنْ ينُوْشُوا حقَّـنَـا
يَا جَارَةَ الْعَـاصِي لَقَــدْ وفّيْـتِهِ      حقَّ الْجِـوَارِ فكانَ خَيْرَ جِوارِنا
قدْ ذُدْتِ عَنـه الْعَـابثيْنَ بمَــائِهِ       لِيَصِيْرَ عَـذْبُ نَمِـيرهِ مُتَعَفّنَـا
يا أيُّهَـا الْعَـاصِي الْمُـلَوّنُ مَاؤُهُ       في زُرْقةٍ قَـدْ صَار أحْمَرَ داكِنا
ما سِرُّ عِطْرِكَ؟ لمْ نَجِدْ كعَبيْـرِهِ        فهُو المُخَضَّبُ من دِمَا شُهَـدَائِنَا
مَنْ شَـمّـهُ جَرَتِ البُطُولةُ نحْـوَهُ      بعُروقِـهِ تَجْرِيْ فيَهْتِفُ هَـا أنَا
أنَا فارسٌ مِنْ أُسْـدِ حِمْصَ وسيفُهَا     أمْضِيْ عَلَى أَعْنَاقِ غَاصِبِ أرْضِنَا
أنَـا مِنْ جُنُـوْدِ أبِـي عُبَيْدةَ قَادِمٌ       لأمُرّ فَوقَ رِقَابِ هَاتِـكِ عِرْضِنا
فأَجُـزّها حيْنـًا وحيْـنًا مُعْتِـقًـا      وبِهـا أمُـنُّ وذاك مِنْ أخْلاقِنـا
أنا فَـارسٌ ومعلِّـمِي سيْــفُ الإلَـهِ وصَهْوَتِي هِيَ مِنْ كِرَامِ خُـيُولِنا
يا رَسْتَـنَ الْمجْدِ التَّـليدِ وأُسَّـهُ       أنْـتِ الْعصيَّـةُ ضدَّ بـَاغٍ رَامَنَا
إنّا رأيْنـَا مِنْـكِ صِدْقًـا في اللقا      لمّـا تصدّى "الحُرُّ" ضدّ غُـزَاتِنَا
لمّا تصدّى (حُـرُّ سُوريَّـا) لَهـمْ       كُنَّا لَمَسْنـا الْحِقْـدَ فيهمْ مُـزْمِنا
في خَطْفِ عَذْرَاءٍ وقَتْلِ شقيْـقِها         بسفَاهَةٍ، فِي وأدِ بَسْمَة طِفْـلِنـا
فيْ أسْـرَةٍ مفْجُـوعَـةٍ بعَمِيْدهَا       وعَمِيدُهـا هُو فِي ذُؤابَةِ قَـوْمِنـا
والْـفاَجِِعُـونَ أَراذِلٌ وحُثَـالَـةٌ       هَجَمُوا عَلَينَا مِنْ هُنَـاكَ وَمِنْ هُنَا
مِنْ مَشْرِقٍ عَاثَ الْمَجُوسُ بأَرْضِهِ       أَو مَغْرِبٍ بالنَّـائبَـاتِ أَصَـابَنا
حِقْـدٌ غَـريْبٌ لَم نَجِدْ صِنْوًا لَهُ        في الْعَالَمِيْـنَ وكانَ حِقْـدًا بَيِّنـا
يا رَسْتَنَ الْمَجْـدِ الْمُـؤَثَّلِ والإبَا       بُوْرِكْتِ إِذْ أصْبَحــْتِ قائِدةً لَنـَا
عَفّـرْتِ جبْهَـةَ آثِـمٍ مُتَغَطْرِسٍ       ورَفَعْتِ لِلْعَـلْيَـاءِ هَـامَ شَبَـابِنا
إنّا لَنُبْـصِرُ فَـيكِ هِمّـةَ أُمّـةٍ        فيْهَا الرّضيْعُ إلى المَعَـالِيْ قدْ رنَا
ولسانُ حَـالِكِ كان يهتِفُ لِلْوَرَى       عِـزُّ الشآمِ وأهْلِها خَيْرُ المُنــى
الْجمُعة 30أيلول2011 الموافق 2/ذو القعدة/1432هـ
جُمُعة (النصرُ لِشَامِنا ويَمَننا)      

الخميس، 29 سبتمبر 2011


يا رُوْحَ زينب حَلِّقي بِسَمَائنَا...
شعر/محمد جميل جانودي
بَكَتِ الْعُيُونُ على البَتُوْلِ الطَّاهِرَةْ      دَمْعًا تَلأْلأَ كالْجُمَانِ النّاضِـرة
هَمَتِ الْعُيُـونُ وقدْ تفَجَّرَ حُزْنُـها      يَرْوِيْ حِكَايَة حُرّةٍ أوْ ثَـائِرةْ
يا بِنْتَ حِمْصَ إلامَ أنْـتِ فـريدةٌ     فيكِ العُقُولُ بِمَا انفَرَدْتِ لَحَائِرَةْ
رِفْقًا بِنَـا يَا بِنْتَ حِمصَ فَـرَكْبُنا     يَمشي الْهُوَيْنى في دُروبٍ جَائِرة
حَـثّ الشّبَابُ خُطَاهُمُ في ثَـوْرةٍ      غَرّاءَ في وَجْهِ الذّئابِ الْغادرةْ
فِيْ وَجهِ منَ سلبَ الأنَامَ حُقُوقَهمْ      وفِعَـالُهمْ في كل قُبْـحِ سَافِرةْ
حثَّ الشَّبَـابُ خُطَـاهمُ تَحْـدُوهمُ     قِيَمُ التّحَرّرِ منْ عُصُورٍ غَابِرَةْ
رامُوا الثُرَيَّـا كي يَطَالُوا نَجْمَهـا      فرَأَوْكِ مِنْ فوقِ الثُريّا ظَاهِرةْ
عَجِبُوا منَ النّورِ الْمُسَطّرِ في الدّجَى     فَتَسَاءَلُوا عنْ سِرِّ شمسٍ بَاهِرَةْ
مَنْ هـذِهِ كَيْفَ ارْتَقتْ لِمقَـامِها؟      أنّى لها بينَ العُيونِ السَّاهِرة!؟
مَنْ هَـذه؟ مَـنْ لَخَّصَتْ بجَبيْنِهَا      ما سَوفَ تُبْدِعُهُ الْجُمُوعُ الهَادِرةْ
نَظَرُوا إِلَيْهَا ثُمَّ غَضُّـوا طَرْفَـهمْ      فَرنَتْ إليهِم بالحَقِيَقَةِ جَاهِـرةْ
لا تَعْجَبُوا يَا إِخْـوتيْ أَنَـا مِنْكُمُ      أختُ الشّهيْد وقدْ قضى بِمُظاهَرةْ
أَنَا زَيْنَبُ الْحُصْنيّ بنْتُ ديَـارِكُمْ      بِنتُ الْبُطُوْلَةِ والدّيَـارِ الْعَامِرةْ
أنَا مَنْ رُمِيْتُ بِما ادّعَوا مِنْ فِرْيَةٍ      وسَعَيْتُ فيْما سُمِّيَتْ بِمُـؤامَرةْ
أَنَا مَنْ أتَـاهَـا حَاقـِدٌ مُتَوَحِّشٌ       فاغْتَالَهَا وقْتَ العِشَاءِ الآخِـرةْ
ذَنْبيْ بِـأَ نّي أُخْتُ لَيْثٍ غَاضِبٍ      قادَ التّظَاهُرَ في أَتُـوْنِ الْهَاجِرةْ
جَـاؤوا إلَيَّ وحِصْنُهمْ دبّـابَـةٌ      ويَقُـوْدُهمْ مِسْخٌ لأُمٍّ فـاجِـرةْ
وَنُزِعْتُ من أحْضَانِ أَهْلِي عُنْوَةً     فَوَجَدْتُ نفسيَ في صَحَارَى مُقْفِرةْ
وتسابَـقَ الأوْغَـادُ في تَعْذِيبِهِمْ      ليَ بالسّياط وفي مَشاهدَ سَاخِرةْ
يَتَضَـاحَكُونَ كأنَّهُمْ في حفْـلةٍ       ويُعَرْبِدونَ كأنّـهمْ في مَخْمَـرةْ
بِسُيُوفِهِمْ قُطِّعْتُ إِرْبًا وانْبَرَتْ       روْحِي لِتشْهَدَ ما جَرَى فيْ الْمَجْزَرةْ
حتّى إِذا ما أيْـقَـنَـتْ وتوثّقتْ        منْ سـوءِ أَفْعَـالٍ لهمْ مُسْتَقْـذَرَةْ
صَعَدَتْ إلى الرَّحْمنِ تَشْكو مَا بِها       فَـغَدَتْ بثَـوبِ حَنَـانِـه مُتَدَثّرَةْ
وغَدَوتُ طَيْرًا فِي ريَاضِ جِنَانهِ     ونَعِمْـتُ فِي خَيْراتِها الْمُتَكاثِـرةْ
وأتَيْتُـكُم في حُلْيتي وعَبَـاءَتي     حَتَّى أكُونَ مُعِيْـنَـةً ومُنـاصِرَة
فامْضُوا ولا تَتَرَاجعُوا يَا إخْوتي     إنّي لَكُمْ بالنّصْـرِ جِئْتُ مُبَـشِّرةْ
قُـولوا لأمّيْ أنّ تَاجَ شَهَـادَتي      يَأتي لَهَـا ولِوالِـدِي بِالمَغْفِـرةْ
هُبّي عَـليْـنا يا نسَـائمَ جَنَّـةٍ      في لَيْلَـةٍ جاءتْكِ زَيْنَبُ صابِرَةْ
ما كانَ بـِدْعًا يَا جِنَانَ الْخُلْدِ أنْ       تتَـزيَّني، فَلَقَدْ أتَتْكِ الطَّـاهرَةْ
زُفّتْ إِلَيْكِ عَروسُ حِمصَ بليلَةٍ       سوداءَ مظْلِمةٍ فَصَارَتْ مُقْمِـرةْ
يَا رُوحَ زَيْنبَ حلّقي بِسَمَـائِنـا      فَنُسُـورُ ثَوْرَتِنـا إِلَيْهَـا طائِرةْ
يا رُوحَ زيْنبَ غرِّدي بهِضَابِنا         فأُسُـودُ ثَوْرتنـَا عَلَيْها زائِرَة
إنَّ الزَّيَـانِبَ في الشآم كثـيرةٌ         يَبْغينَ صدَّ فِرَنْجـةٍ وأكاسِرةْ
كمْ زيْنَبٍ في سَاحِ ثَوْرتِنَا قضتْ       كمْ زيْنبٍ في الرَّكْبِ كَانَتْ حَاضِرَةْ
كَمْ زَيْنَبٍ مِثْلِ ابْتِهَالٍ والعُلا([1])        كانَتْ بِقَافِلَةِ الشّهيْدِ مُسافِرة؟!
يَا آلَ زينبَ أَبْشِروا إنَّ المَلائِـ       ئِكَ حَوْلَ زينبَ يَمنةً أو ميْسَرةْ
يا شَعبَ زَيْنبَ، إنَّ زينبَ ترتَجي     إقْـدَامَكُمْ، كُونُوا لِزَيْنَبَ مَفْخَرةْ
يَا أُخْتَ زَيْنبَ إنّ مَوْعِدَها غدًا         لُقيَاكِ في جنَّـاتِ عَدْنِ الآخِرةْ
يَاَ شعْبَ سُورِيّا الأبِيّـةِ أنْصِتُوا        لِوَصِيَـةٍ من زَيْنبٍ مُتَـواتِرةْ
كُونوا حُمَاةَ الثّورة الكُبْرَى فقَدْ        لاحَتْ بَشَائرُ نَصْرِها في الْقاهِرةْ
وبِتُونُسَ الْخَضْرَاءِ يَوْمَ تلألتْ         وبها اسْتَضَاءَتْ لِيْبِيَـا مُسْتبْشِرةْ
وهُنـاكَ في اليَمَنِ السّعيْدِ أحبَّةٌ        مأْسُــورةٌ لِقُـلُوبِنـا أو آسِرة             
يا شَعْبَ سُوريّا الْمؤصّلَ مَنْبِتًا        أهْدِيْ الضّفَـائرَ بالدِّماءِ مُعَطَّرةْ
هَذي الضَّفَـائِرُ كُنْتُ قَدْ خَبّأْتُها       بينَ الدّمَــا، أنْعِمْ بِهَا مِنْ سَاتِرَةْ
  مِنْهَا اصْنَعُوا حَبْلَ النَّجَاةِ لِغَارِقٍ      يَرْجُو الخَلاصَ مِنَ الوُحُوشِ الكاَسِرةْ
  وبِهَا اشْنُقُوا أعْتَى الطّغاةِ وركْبَهُمْ     مِنْ حِقْدِهم تغْـدُوْ الشآمُ مُحَرّرةْ     
السبتُ فِي 26/شوّال/1432 الموافِق لـ 24/ أيلول/2011


([1]) عُلا ياسر جبلاوي وابتهال الخويلد الأولى طفلة صغيرة من اللاذقية كانت في السيارة مع أبيها فأطلقت عليها النار فقتلت، والثانية ابتهال أصيبت برصاصة فأدى ذلك إلى بتر ساقها.

الخميس، 15 سبتمبر 2011

حبسها حابس الفيل


بسم الله الرحمن الرحيم
حبسها حابس الفيل.....
حابس الفيل هو الله سبحانه وتعالى الذي بقدرته ومشيئته، ولحكمة هو وحده يعلمها، وتكشفت فيما بعد لكثير من المتسائلين، حبس الله عزّ وجلّ الفيل الأبيضَ الكبير الذي كان يتقدمُ مجموعة من الفِيَلة، استخدمها أبرهة في جيشه، حين توجه إلى الكعبة ليهدمَها..  فبعد استراحة بالقُرب من مكة، وحين همّ بمتابعة سيره إلى البيت العتيق ليقوضه؛ وجد أن الفيل قد حرن، وامتنع عن التقدّم باتجاه الكعبة، في حين أنه كان ينطلق مُسرعًا إذا وُجه بعكس الطريق...وعندئذ تكاثر عليه جند أبرهة وقتلوه برماحهم، كي لا يؤثر ذلك على سلوك الفيلة الباقية... لكن الله سبحانه وتعالى أرسل طيورًا تحمل في مناقيرها حجارة من سجيل، ورمت به الجيش المهاجم وقضت عليه...
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى (حبس الفيل) حين بركت ناقته عند الحديبية وكان متوجهًا مع أصحابه إلى مكة لأداء العمرة، وقال الصحابة: خلأت القصواء؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت، وما ذاك لها بِخلُق..ولكن حبسها حابس الفيلِ....وعلم الناس فيما بعد أن الله منَعها من الاستمرار، لأمر خبَّأه وهو لصالح الجميع... فقد تمَّ في ذلك المكان إبرامُ صلح الحديبية الذي سُمي ((الفتح المبين))...
واليوم أخذ الشعب السوري باجتهاده الذي ما نحسبه إلا موفقًا، فيما هو ظاهر للعيان، أخذ يبحث عن طريقة يُوقف بها طاحونة الموت والقتل التي تعمل عملها في الرياحين النّضرة من شبابه... وكان مما وصل إليه مطالبته بالحماية من المجتمع الدولي... بعد أن رأى أن لهذا المجتمع تجربةً ناجحةً في هذا الصدد في كل من الحالتين المصرية والليبية، وبصورة أوضح في الحالة الليبية... ففي كل من الحالتين لم يمض على الثورة أقلُّ من شهر إلا وكان المجتمع الدولي مشاركًا في إنهاء الأمر لصالح الشعب الثائر في كلا البلدين... وانتصرت الثورة فيهما بحبل من الله وحبل من الناس... ولكننا نرى الأمر، في الحالة السورية، مختلفًا... فقد مضى على الثورة ما يزيد عن ستة شهور، والقتل لم يتوقف؛ ولو ليوم واحد، ومع كثرة ما يظهر من كلام في وجوب نصرة الشعب السوري على المستويات كافة، الإقليمية منها والدولية... إلا أنها كما ينطق الواقع، كانت محاولات خجولة لم ترق إلى درجة تخفيف دوران طاحونة الموت تلك.. لا إيقافها... وهنا لا بد للناس أن تتساءل... لِمَ يحدثُ ذلك...؟ وتختلف الإجابات... فمنهم من يرى أن لا مطمع اقتصاديًا في سوريا كما هو الحال في ليبيا... ومنهم من يرى أن السوريين لم يكونوا نشيطين بالقدْر الكافي ليشجعوا المجتمع الدولي للاستجابة والنصرة... فحتى بعد مضي هذه المدة الطويلة على انطلاقة ثورتهم لم يستطيعوا أن يشكلوا مجلسًا ينطق باسمهم جميعًا... ومنهم من يرى أن هناك تخوفًا من بديل يأتي لا يروق لتطلعات المجتمع الدولي وأصحاب القرار فيه... وأن المحافظة على المعروف (أيا كان) خير من الإتيان بالمجهول!! ومنهم... ومنهم...
وإذا سمحنا لعقولنا أن تصغي باحترام إلى تلك الحجج والإجابات (بغض النّظر عن مدى قُربها من الحقيقة أم لا) فما أظن أننا نكون منصفين ومنطقيين إذا أقصينا إجابة هي ليست أقل ورودًا من غيرها... هذه الإجابة يقول أصحابها: إنَّ بلاد الشام أرض مقدسة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، وإن لأهلها حظوة عندالله سبحانه، وكذلك عند رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنهم إذا فسدوا فلا خير في أهل الأرض... وأنها أرض الرباط، وأنها تُعدُّ لأن يجري، بها وعليها، أمر كبير وعظيم، يعود على المنطقة بالخير، والعزة، والكرامة، ودحر الباطل، وانتصار الحق... وأنه سبحانه وتعالى يريد أن ينزِّه هذه الثورةَ عمَّا يمكن أن يلحق بها من غبار يشوِّه سمعتَها... وتظهرُ في أعين الناس غيرَ صافية ونقية... (على الأقل الآن، الوقت الذي ما زال كثير من الناس يرون في المشاركة الدولية عارًا بدرجة ما..)..لذا حبس عنها تلك الأسباب التي يمكن أن تُفْضي إلى ذاك التشويه... وما ندري ماذا يُخبئ الله تعالى لِهذه الثورة المباركة في المستقبل.. وهو خير إن شاء الله... ومفاجآته – جل جلاله – للبشر كثيرة وغريبة.. ومن يدري ما تلك المفاجآت؟ فكما تمثّلَتْ في الطوفان لنصر نوح على قومه، وفي أخذ الصاعقة لثمود، وتسليط الصيحة لقوم شعيب، فستكون لغيرهم بما يراه الله سبحانه وتعالى الأحكمَ والأجدى... وهو- سبحانه-  لا يُسْأل عما يفعل... ولا يُستبعد أن تكون في استخدام أحد جنوده، المتمثلِ في المجتمع الإقليمي، أو الدولي، ولكن، ربّما، حين يرى أن لا غضاضة عند البشر في ذلك، بعد أن تتحول نظرتهم من كون ذلك عارًا وسبة، إلى كونه مقبولاً ومطلوبًا، ولاسيما بعد أن تتعاظم المجازرُ في المجتمع الذي مازال لسان حاله يخاطب قاتليه بما خاطب به ابنُ آدم الأول مَنْ هَمَّ بقَتْله (( لئن بسطْتَ إلي يدكَ لتقتلَني ما أنا بباسطٍ يديَ إليك لأقتلَك) فإطلاق ما حبسه الله في وقت من الأوقات واردٌ، باحتمالٍ كبير، حين يرى الله سبحانه وتعالى أنْ قد آن الأوان لذلك التدخل، وألا غبار عليه لدى الغالبية..والله أعلم.. وفي جميع الأحوال فعلى السوريين أن يبذلوا قصارى جهدهم، ويجتهدوا فيما يرونه مناسبًا لخلاصهم، وانتصار ثورتهم، حتى ولو كان هذا الاجتهاد خطأ؛ لكنهم لم يتبيّنوا خطأه... فالله سبحانه وتعالى سيهيّئ لهم ما هو أفضل وأجدى، وما يُمكن أن يكون فتحًا مبينًا، ونصرًا مؤزرًا.
محمد جميل جانودي
جمعة ((ماضون حتى إسقاط النظام))
18/شوال/1432 الموافق لـ 16/أيلول/2011

دنا الدّاني


دنا الدّاني منَ الرّبِ الغَفُورِ
مُهداة إلى الشاب داني عبد الدّايم وإخوانه
دنَـا الدَّانِي مِنَ الرّبِّ الغَفُــورِ      بما قَدْ جادَ مِنْ دَمِـهِ الطهُـورِ
فتًى لَمْ يُمْضِ مِنْ عُمُـرٍ كَثِيْـرًا      وكانَ ذَوُوهُ مِنْ أهْلِ الدّثُــوْرِ
إذا أَبْصَـرْتَه أَبْصَـرْتَ غُصْنـًا      طَـرِيَّ العُـودِ يُسْقَى مِنْ نَمِِيْرِ
إذا جَــاءَتْهُ عَـاصِفَـةٌ تَـلَوّى     فيغلبَهَـا ويَـزهُـو في سُرورِ
تسَابقَ في التّظـاهُرِ ضدّ بَغْـيٍ       معَ الأحْرَارِ مِنْ حِمْصَ النّسُورِ
رأَى عَجَبًا، فَأَرْضُ الشَّامِ عَجّتْ       بِقُطْعَـانِ المُيُـوعَةِ والفُجُـورِ
رأَى شعْـبًا بِمَسْغْــبَةٍ تـَرَدّى       وخَـيْرُ طَعَـامِهِ خُبْـزُ الشّعِيْرِ
رأَى شَعْبـًا يُـذَلُّ ولا تُـرَاعَى       لَـهُ حُرُمَـاتُ شيْخٍ أو صَغـيرِ
رأى الأعْراضَ تُهْتَك في عَرَاءٍ        وما لِلْحُـرِّ فيهَـا مِنْ مُجيــرِ
رأى أتْــرابَهُ بالسّجْنِ تُرْمـَى       وتُقْـذَفُ مِنْ حَقُـودٍ أو حَقِـيْرِ
فلَم يَسْطِــع قُعـودًا لا يُبـَالي      ولَمْ يَصْبِرْ على الضَّـيْمِ الْمُثيْرِ
أيُعقَـلُ أن يَرَى قيَـمًا أُهِـينَتْ       ويَنْأَى عَنْ مُقَارَعَـةِ الشّـرُوْرِ
فَهَبَّ لِنُصْـرَةِ الأحْرَارِ، ثَارَتْ        لِتَقْتـلِعَ الطُّغـاةَ مِـنَ الْجُـذُوْرِ
 كأَمْواجٍ عَتَتْ في الْبَحْرِ غَضْبى      عَلاهَا وهْـوَ يَزْأَرُ كالْهَصُـوْرِ
 تَحُـُّفُّ بـهِ كَـواكِبُ مُشرِقَاتٌ      تُكَـبّرُ في الْعَـشيِّ وفي البُكُوْرِ
 كَـواكبُ لَيْس يُقصِيْهَـا أفُـولٌ      وما حُجِبَتْ بِغَيْمَــاتِ المُبـيْرِ
 عَـرَائِنُ حِمْصَ أهْدَتْها إليْــهِ       فَمِنْ بابِ السِّبَـاعِ إلى القُصُورِ
 ومن باب الدُّرَيْبِ لِبـابِ عَمْرٍو      ومِنْ حَيّ القَـرَابيْـصِ المُنيْـرِ
 وحَيُّ الْخـالِــديّةِ كان رمَـزًا      لآسَـادِ الكَـرَامَةِ والصّقُــوْرِ
لُيُـوثُ الرّسْتنِ الهـدّارِ قَامَتْ        تُجيْـبُ نُمُـورَ آجَامِ الْقُصَيْـرِ
رأَى ((الدّاني)) مَديْنَتََـهُ تُغَـنّي       أهَـازِيْجَ البُطُـولَةِ والحُـبُـورِ
تلّفتَ حَـوْلَه فَـازْدَادَ زَهْــوًا       بِرُؤْيَـةِ فِتْـيَـةٍ مِثْـلِ الْبُـدُور
تَعَاهَدَ جمْعُهُـمْ عَـهدًْا مَتيْنـًا         على أنْ يَهْتِفُوا يَا أرضُ ثُـوْرِي
ألا يَا أَرْضُ مِيْدِي تَحْتَ عَـرْشٍ      تَرَبَّـعَ فَـوقَهُ حُـكّـامُ جَـوْرِ
فأيْقَـنَ أنَّ ريْحَ النّصْـرِ هَبَّـتْ      وصَاحَ: إلى الجِنَـانِ بِلا فُتُـورِ
 إلى الجَنّـاتِ يا إخْـوَانُ هيّـا       وطُوفُوا فِي سمَاهَـا كالطُّيُـورِ
فَصَالَ وَجَالَ فِي سَاحَاتِ حِمْصٍ      يُسطّـرُ مَجْدَهَـا عَبْرَ العُصُوْرِ
ويُـرْغِمُ أنْـفَ غَـدّارٍ لئيْــمٍ       تَمَرّغَ في الْوحُولِ وفي الْجُحُوْرِ
وظَلّ يثُـوْرُ حتّــى فَاجَـأتْـهُ      رَصَاصَةُ حَـاقِدٍ وَغْدٍ خَـؤورِ
فَـلَم يَعْبَأ وقَـال بِمِلْءِ فِيـْــهِ      ألا يَـا شـامُ لِلْعَلْيَـاءِ طِيْري
ألا يَـا شَامُ يَـا أُمَّ المَعَــالِـي      بِظِلِّ الثورَةِ الشَّمَّــاءِ سِيْرِي
الثلاثاء 15/شوال/1432 الموافق لـ 13/أبلول/2011 **** محمد جميل جانوي