الخميس، 15 سبتمبر 2011

حبسها حابس الفيل


بسم الله الرحمن الرحيم
حبسها حابس الفيل.....
حابس الفيل هو الله سبحانه وتعالى الذي بقدرته ومشيئته، ولحكمة هو وحده يعلمها، وتكشفت فيما بعد لكثير من المتسائلين، حبس الله عزّ وجلّ الفيل الأبيضَ الكبير الذي كان يتقدمُ مجموعة من الفِيَلة، استخدمها أبرهة في جيشه، حين توجه إلى الكعبة ليهدمَها..  فبعد استراحة بالقُرب من مكة، وحين همّ بمتابعة سيره إلى البيت العتيق ليقوضه؛ وجد أن الفيل قد حرن، وامتنع عن التقدّم باتجاه الكعبة، في حين أنه كان ينطلق مُسرعًا إذا وُجه بعكس الطريق...وعندئذ تكاثر عليه جند أبرهة وقتلوه برماحهم، كي لا يؤثر ذلك على سلوك الفيلة الباقية... لكن الله سبحانه وتعالى أرسل طيورًا تحمل في مناقيرها حجارة من سجيل، ورمت به الجيش المهاجم وقضت عليه...
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى (حبس الفيل) حين بركت ناقته عند الحديبية وكان متوجهًا مع أصحابه إلى مكة لأداء العمرة، وقال الصحابة: خلأت القصواء؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت، وما ذاك لها بِخلُق..ولكن حبسها حابس الفيلِ....وعلم الناس فيما بعد أن الله منَعها من الاستمرار، لأمر خبَّأه وهو لصالح الجميع... فقد تمَّ في ذلك المكان إبرامُ صلح الحديبية الذي سُمي ((الفتح المبين))...
واليوم أخذ الشعب السوري باجتهاده الذي ما نحسبه إلا موفقًا، فيما هو ظاهر للعيان، أخذ يبحث عن طريقة يُوقف بها طاحونة الموت والقتل التي تعمل عملها في الرياحين النّضرة من شبابه... وكان مما وصل إليه مطالبته بالحماية من المجتمع الدولي... بعد أن رأى أن لهذا المجتمع تجربةً ناجحةً في هذا الصدد في كل من الحالتين المصرية والليبية، وبصورة أوضح في الحالة الليبية... ففي كل من الحالتين لم يمض على الثورة أقلُّ من شهر إلا وكان المجتمع الدولي مشاركًا في إنهاء الأمر لصالح الشعب الثائر في كلا البلدين... وانتصرت الثورة فيهما بحبل من الله وحبل من الناس... ولكننا نرى الأمر، في الحالة السورية، مختلفًا... فقد مضى على الثورة ما يزيد عن ستة شهور، والقتل لم يتوقف؛ ولو ليوم واحد، ومع كثرة ما يظهر من كلام في وجوب نصرة الشعب السوري على المستويات كافة، الإقليمية منها والدولية... إلا أنها كما ينطق الواقع، كانت محاولات خجولة لم ترق إلى درجة تخفيف دوران طاحونة الموت تلك.. لا إيقافها... وهنا لا بد للناس أن تتساءل... لِمَ يحدثُ ذلك...؟ وتختلف الإجابات... فمنهم من يرى أن لا مطمع اقتصاديًا في سوريا كما هو الحال في ليبيا... ومنهم من يرى أن السوريين لم يكونوا نشيطين بالقدْر الكافي ليشجعوا المجتمع الدولي للاستجابة والنصرة... فحتى بعد مضي هذه المدة الطويلة على انطلاقة ثورتهم لم يستطيعوا أن يشكلوا مجلسًا ينطق باسمهم جميعًا... ومنهم من يرى أن هناك تخوفًا من بديل يأتي لا يروق لتطلعات المجتمع الدولي وأصحاب القرار فيه... وأن المحافظة على المعروف (أيا كان) خير من الإتيان بالمجهول!! ومنهم... ومنهم...
وإذا سمحنا لعقولنا أن تصغي باحترام إلى تلك الحجج والإجابات (بغض النّظر عن مدى قُربها من الحقيقة أم لا) فما أظن أننا نكون منصفين ومنطقيين إذا أقصينا إجابة هي ليست أقل ورودًا من غيرها... هذه الإجابة يقول أصحابها: إنَّ بلاد الشام أرض مقدسة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، وإن لأهلها حظوة عندالله سبحانه، وكذلك عند رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنهم إذا فسدوا فلا خير في أهل الأرض... وأنها أرض الرباط، وأنها تُعدُّ لأن يجري، بها وعليها، أمر كبير وعظيم، يعود على المنطقة بالخير، والعزة، والكرامة، ودحر الباطل، وانتصار الحق... وأنه سبحانه وتعالى يريد أن ينزِّه هذه الثورةَ عمَّا يمكن أن يلحق بها من غبار يشوِّه سمعتَها... وتظهرُ في أعين الناس غيرَ صافية ونقية... (على الأقل الآن، الوقت الذي ما زال كثير من الناس يرون في المشاركة الدولية عارًا بدرجة ما..)..لذا حبس عنها تلك الأسباب التي يمكن أن تُفْضي إلى ذاك التشويه... وما ندري ماذا يُخبئ الله تعالى لِهذه الثورة المباركة في المستقبل.. وهو خير إن شاء الله... ومفاجآته – جل جلاله – للبشر كثيرة وغريبة.. ومن يدري ما تلك المفاجآت؟ فكما تمثّلَتْ في الطوفان لنصر نوح على قومه، وفي أخذ الصاعقة لثمود، وتسليط الصيحة لقوم شعيب، فستكون لغيرهم بما يراه الله سبحانه وتعالى الأحكمَ والأجدى... وهو- سبحانه-  لا يُسْأل عما يفعل... ولا يُستبعد أن تكون في استخدام أحد جنوده، المتمثلِ في المجتمع الإقليمي، أو الدولي، ولكن، ربّما، حين يرى أن لا غضاضة عند البشر في ذلك، بعد أن تتحول نظرتهم من كون ذلك عارًا وسبة، إلى كونه مقبولاً ومطلوبًا، ولاسيما بعد أن تتعاظم المجازرُ في المجتمع الذي مازال لسان حاله يخاطب قاتليه بما خاطب به ابنُ آدم الأول مَنْ هَمَّ بقَتْله (( لئن بسطْتَ إلي يدكَ لتقتلَني ما أنا بباسطٍ يديَ إليك لأقتلَك) فإطلاق ما حبسه الله في وقت من الأوقات واردٌ، باحتمالٍ كبير، حين يرى الله سبحانه وتعالى أنْ قد آن الأوان لذلك التدخل، وألا غبار عليه لدى الغالبية..والله أعلم.. وفي جميع الأحوال فعلى السوريين أن يبذلوا قصارى جهدهم، ويجتهدوا فيما يرونه مناسبًا لخلاصهم، وانتصار ثورتهم، حتى ولو كان هذا الاجتهاد خطأ؛ لكنهم لم يتبيّنوا خطأه... فالله سبحانه وتعالى سيهيّئ لهم ما هو أفضل وأجدى، وما يُمكن أن يكون فتحًا مبينًا، ونصرًا مؤزرًا.
محمد جميل جانودي
جمعة ((ماضون حتى إسقاط النظام))
18/شوال/1432 الموافق لـ 16/أيلول/2011

دنا الدّاني


دنا الدّاني منَ الرّبِ الغَفُورِ
مُهداة إلى الشاب داني عبد الدّايم وإخوانه
دنَـا الدَّانِي مِنَ الرّبِّ الغَفُــورِ      بما قَدْ جادَ مِنْ دَمِـهِ الطهُـورِ
فتًى لَمْ يُمْضِ مِنْ عُمُـرٍ كَثِيْـرًا      وكانَ ذَوُوهُ مِنْ أهْلِ الدّثُــوْرِ
إذا أَبْصَـرْتَه أَبْصَـرْتَ غُصْنـًا      طَـرِيَّ العُـودِ يُسْقَى مِنْ نَمِِيْرِ
إذا جَــاءَتْهُ عَـاصِفَـةٌ تَـلَوّى     فيغلبَهَـا ويَـزهُـو في سُرورِ
تسَابقَ في التّظـاهُرِ ضدّ بَغْـيٍ       معَ الأحْرَارِ مِنْ حِمْصَ النّسُورِ
رأَى عَجَبًا، فَأَرْضُ الشَّامِ عَجّتْ       بِقُطْعَـانِ المُيُـوعَةِ والفُجُـورِ
رأَى شعْـبًا بِمَسْغْــبَةٍ تـَرَدّى       وخَـيْرُ طَعَـامِهِ خُبْـزُ الشّعِيْرِ
رأَى شَعْبـًا يُـذَلُّ ولا تُـرَاعَى       لَـهُ حُرُمَـاتُ شيْخٍ أو صَغـيرِ
رأى الأعْراضَ تُهْتَك في عَرَاءٍ        وما لِلْحُـرِّ فيهَـا مِنْ مُجيــرِ
رأى أتْــرابَهُ بالسّجْنِ تُرْمـَى       وتُقْـذَفُ مِنْ حَقُـودٍ أو حَقِـيْرِ
فلَم يَسْطِــع قُعـودًا لا يُبـَالي      ولَمْ يَصْبِرْ على الضَّـيْمِ الْمُثيْرِ
أيُعقَـلُ أن يَرَى قيَـمًا أُهِـينَتْ       ويَنْأَى عَنْ مُقَارَعَـةِ الشّـرُوْرِ
فَهَبَّ لِنُصْـرَةِ الأحْرَارِ، ثَارَتْ        لِتَقْتـلِعَ الطُّغـاةَ مِـنَ الْجُـذُوْرِ
 كأَمْواجٍ عَتَتْ في الْبَحْرِ غَضْبى      عَلاهَا وهْـوَ يَزْأَرُ كالْهَصُـوْرِ
 تَحُـُّفُّ بـهِ كَـواكِبُ مُشرِقَاتٌ      تُكَـبّرُ في الْعَـشيِّ وفي البُكُوْرِ
 كَـواكبُ لَيْس يُقصِيْهَـا أفُـولٌ      وما حُجِبَتْ بِغَيْمَــاتِ المُبـيْرِ
 عَـرَائِنُ حِمْصَ أهْدَتْها إليْــهِ       فَمِنْ بابِ السِّبَـاعِ إلى القُصُورِ
 ومن باب الدُّرَيْبِ لِبـابِ عَمْرٍو      ومِنْ حَيّ القَـرَابيْـصِ المُنيْـرِ
 وحَيُّ الْخـالِــديّةِ كان رمَـزًا      لآسَـادِ الكَـرَامَةِ والصّقُــوْرِ
لُيُـوثُ الرّسْتنِ الهـدّارِ قَامَتْ        تُجيْـبُ نُمُـورَ آجَامِ الْقُصَيْـرِ
رأَى ((الدّاني)) مَديْنَتََـهُ تُغَـنّي       أهَـازِيْجَ البُطُـولَةِ والحُـبُـورِ
تلّفتَ حَـوْلَه فَـازْدَادَ زَهْــوًا       بِرُؤْيَـةِ فِتْـيَـةٍ مِثْـلِ الْبُـدُور
تَعَاهَدَ جمْعُهُـمْ عَـهدًْا مَتيْنـًا         على أنْ يَهْتِفُوا يَا أرضُ ثُـوْرِي
ألا يَا أَرْضُ مِيْدِي تَحْتَ عَـرْشٍ      تَرَبَّـعَ فَـوقَهُ حُـكّـامُ جَـوْرِ
فأيْقَـنَ أنَّ ريْحَ النّصْـرِ هَبَّـتْ      وصَاحَ: إلى الجِنَـانِ بِلا فُتُـورِ
 إلى الجَنّـاتِ يا إخْـوَانُ هيّـا       وطُوفُوا فِي سمَاهَـا كالطُّيُـورِ
فَصَالَ وَجَالَ فِي سَاحَاتِ حِمْصٍ      يُسطّـرُ مَجْدَهَـا عَبْرَ العُصُوْرِ
ويُـرْغِمُ أنْـفَ غَـدّارٍ لئيْــمٍ       تَمَرّغَ في الْوحُولِ وفي الْجُحُوْرِ
وظَلّ يثُـوْرُ حتّــى فَاجَـأتْـهُ      رَصَاصَةُ حَـاقِدٍ وَغْدٍ خَـؤورِ
فَـلَم يَعْبَأ وقَـال بِمِلْءِ فِيـْــهِ      ألا يَـا شـامُ لِلْعَلْيَـاءِ طِيْري
ألا يَـا شَامُ يَـا أُمَّ المَعَــالِـي      بِظِلِّ الثورَةِ الشَّمَّــاءِ سِيْرِي
الثلاثاء 15/شوال/1432 الموافق لـ 13/أبلول/2011 **** محمد جميل جانوي
  

الاثنين، 8 أغسطس 2011

شهيد النّصرة


بسم الله الرحمن الرحيم
شهيد النصرة..
كان عُمُرُ الفتى عامر بزازة حوالي ثلاثة عشر عامًا حين وافت المنية أباه بدر الدين في مدينة الرياض... الذي كان لي سابق معرفة به، رحمه الله،... ذهبتُ إلى بيته في السليمانية لتقديمِ العزاء... كان كثيرون من الحاضرين يتفرسون في وجه الفتى الصغير... ويُتْبِعون نظراتِهم بعباراتٍ تكاد تكون متقاربة، لفظًا ومعنًى...كقولهم (( ما شاء الله .. يبدو عليه أنه قادرٌ على حمل الأمانة، وأن يكون خير معين لوالدته في تربية أبنائها))...
وانتقلت الأسرة إلى حي المزة في دمشق...وأخذت الأيام تمر... ومن خلال مرورها كانت تجعل من الفتى عامر إنسانًا آخر...نعم لقد شبَّ الفتى.. وأخذت تشبُّ معه القيم التي غرسها فيه أبوه... ورسختها أمه في أعماق نفسه... واستطاع بعد تلك السنين أن يكون عند حسن ظن أولئك الذين تفرسوا في وجهه يوم العزاء.. فحقق لهم فراستهم.. وأصبح الساعد الأيمن، بل رَجل الأسرة الأول الذي يُشارُ إليه في كل ما يحتاجه البيت... وكانت أمه فخورةً به؛ لأنه أتقن الدرس الذي لقنته إياه... فأدى واجبه خير أداء....
ولكن كثيرين ممَّن كانوا يعرفونه ويتابعون مسيرة حياته بعد وفاة أبيه... لم يكونوا يدركون أن واجبًا آخر ينتظر عامرًا، وهو يريد أن يُؤديه بإتقان... واجبًا لا ينفك عن واجبه الأول، بل يلازمه ويسير معه... كيف لا؟ وقد عاش دواعي ذلك الواجب يومًا بيوم، وساعة بساعة.. عاشها حين كان مع أبيه في الرياض... وما وجود أبيه في الغربة، وولادته هو فيها؛ إلا واحدًا من تلك الدواعي الملحة للإحساس بذلك الواجب... وأخذ هذا الإحساس يكبر في نفس عامر يومًا بيوم ولاسيّما حين كان يرى أقارب له قد حُرموا من وطنهم، الغالي على قلوبهم، من غير سبب... الوطن الذي ولدوا فيه، وترعرعوا على ثراه، وشاركوا في بناء أمجاده.. هم وآباؤهم وأجدادهم... رآهم عامر وقد حرموا من استنشاق هوائه... والتظلل بسمائه... واستكمال بنائه... ثم نظر وإذ به يجد أن الذين تولوا كبْر ذلك هم الذين فرطوا في حقوق الوطن...على المستويات كافة... وعاثوا فيه فسادًا... فجاشت نفس الفتى.. وأخذ الدم يغْلي في عروقه...
ولم يكن حاله بعد أن عاد إلى دمشق...بأفضل مما كان عليه في الغربة.. لقد ألفى نفسه وسط غربة أخرى!! وربما تكون أقسى وأمرّ من الأولى... تلفت حوله.. فوجد قلّةً من النّاس.. بطونُهم متخمة، ويتنعمون بقصور شاهقة، وسيارات فاخرة... ووجد مقابل ذلك فقرًا مدقعًا، وأكواخًا تعبث بها الريح، وأقدامًا حافية تمشي على الشوك، باحثة عما يقيم أودها... وهذا حال الأكثرية الساحقة من الناس...
وتلفت حوله فوجد أفواهًا مكممةً، إلا تلك التي تُمَجِّد صاحبَ الشأنِ والجاه، ومن هم في فلكه يدورون... وأيادي مكبلةً، إلا إذا أرادت أن تصفق للرمز الأوحد (الأبدي)....
ثم بنظرة لا تحتاج إلى تدقيق.. رأى حقائق تُطْمَس، ودلائل تُزَوَّر، وشعارات ما أن تغادر أفواه قائليها إلا وتصبح هباءً، تعبث بها تيارات الهواء يمينًا وشمالاً...وقرأ بيانات سُطّرت بأيدٍ ملطخة بدماء الأبرياء، ومضمونها لا يساوي الحبر الذي كُتبت به... وأكثر ما لفت انتباهه، وأثار حفيظته ذاك التخوين لكل من ليس على رأي الحاكم بأمره....
رأى ذلك، وسرعان ما قفزت إلى ذاكرته قصة جرت معه أول قدومه إلى دمشق، حين كان في الصف الأول الثانوي، عندها قام مجموعة من الطلاب بكتابة شعارة مناهضة للسلطة، فما كان من رجال (الأمن) إلا أن بادروا بالقبض على مجموعة من الطلاب منهمين إياهم بأنهم فعلوا ذلك... واستمر التحقيق معهم مصحوبًا بألوان من العذاب والاضطهاد ولكن الطلاب لم يعترفوا بما اتّهموا به... رأى الفتى عامر ذلك فكبر في صدره أن يرى زملاء له تحت الإهانة والتعذيب... فانطلق إلى رجال الأمن ليعترف بأنه هو الذي كتب تلك العبارات... ونجّى زملاءه من قبضة رجال (الأمن).. ولاقى مقابل ذلك ما لاقى.. فحر تذكره لتلك القصة كمون الشجاعة والإيثار في نفسه... 
همس مع نفسه... ما العمل؟ وبعد صراع مرير معها تشجع ليهمس في آذان بعض أترابه، وأصدقائه الهمسة ذاتها.. ما العمل؟ فعلم أن أصحابه يعانون ما يعاني... ويتساءلون كما يتساءل.. ما العمل؟
لكنه لم يجد جوابًا ؛ لا من نفسه؛ ولا من أصدقائه...ولم يزده ذلك إلا حيرة وتحرقًا وغليانًا...  
وبقي كذلك إلى أن سنَحت له الفرصة حين بزغ فجرُ يوم الخامس عشر من آذار لسنةِ إحدى عشرةَ بعدَ الألفين ... يومِ انطلاقِ الثورة السوريةِ الأعْجُوبة، على يدِ  شباب من أترابه... يعانون ما يُعاني، ويُحسُّون بما يُحِسّ... عندئذٍ وجد نفسه قد أفلتت من عقالها... وأن ذاك المرجل الذي كان يغلي في أعماقها قد وجد له متنفسًا... فانطلق كالأسد الهصور... جنبًا إلى جنبٍ مع أسود وطنه.. وهتفوا بصوت واحد (( نريد الحرية)) لأنهم عرفوا أن أصل كل ما عانوا وكابدوا من قهر وظلم هو فقدهم للحرية.... ولكن ذلك لم يُرض من تعَوّد أن يكون هو الحر فقط من بين الناس... فسلط عبيده على كلّ الذين رفضوا أن يكونوا عبيدًا إلا لله... رأى عامر كل ذلك... رأى إخوانًا له يقتلهم رصاص أطلقتْه أيد غادرة لئيمة... رصاصٍ كان أبوه قد دفع ثمنه وهو في الغربة، ولكنه ما كان يعلم أن هذا الرصاص سيقتل فلذة كبده... وفلذات أكباد نظرائه من أهل سوريا النّبلاء... صحيح أن والده كانت تمر بذاكرته وقائع مرة... ولكنّه ظن أن النفوس قد تغيرت، وأنّ الآخرين قد غدوا مثله في الصفح والتسامح ونسيان الأسى؛ مُلقيًا في بحر النسيان المثل الذي كثيرًا ما سمعه من عجائز الحي ((الأسى لا يُنسى)) وما علم أنه قد أخطأ في ظنه ذاك..
رأى عامرٌ كلَّ تلك الممارسات الوحشيةِ.... فعاد المرجل في نفسه أشد غليانًا...وأخذ ينظر إلى اليوم الذي لا ينطلق فيه هاتفًا ((أريد حريتي)) على أنه يوم قد ضاع من عمره سُدًى... ولذلك لم يكن يكتفي بأن يهتف بذلك في حيه أو مع من حوله من أصحاب وأقارب... بل أخذ ينتقل من حي إلى حي بدافع النصرة والتآزر... فسوريا كلها عنده ميدان للنصرة والجهاد..وكلمة الحق تصل السلطان الجائر أينما كان موقع قائلها...ودأب الشاب على ذلك حتى حان اليوم المنشود...واليوم الموعود!!([1] )
 المنشود منه هو ليزيّن صدره بوسام الشهادة...والموعود مع ربه في جنات الخلد... فأتته رصاصة من قناص قصده، وكان يصوب مع الرصاصة كل ما يحمل من حقد دفين، له ولكل من يأبى أن يكون عبدًا إلا لله... وارتقى بشهادته إلى عليين.. ومضى ليعيش في الملأ الأعلى بعيدًا عن الوحل والطين..
مضَى كالّليثِ في طلبِ المَعَالي      ويَـبْذلُ مَا لديْــــــــــــه مــــنَ الغَـوالي
تَحَـــــــــــــدّى البَغْـيَ والأشباحُ تَرْمِي      عَلَـيْــــهِ جَمْـــــــــــــرَ أحقَــــــــــــــادٍ خَـوَالِ
تبَـسّــــــــــــــم ضَاحِكًا لمّــــــــــــــــــــــــا أتتْـهُ       رصَاصَةُ غَـــادرٍ نَذْلِ الخِصَـالِ
وقالَ امْضُوا بثَورتِــــــــــــــكُم إلى أنْ       تدُكّوا مــــــــــا بَـنـاهُ أبُـــــــــــــو رُغَــــــالِ
ومُوْتُوا فــــــــي سبيلِ الحَـــــقِّ حَـتّى       تُرَى هامــــــــاتُكم فَـــــــوْقَ الجِبَـــــــالِ
ألا تبّـــــــــاً لِعَيْـــــــــــــــــــــشٍ في صَغَــارٍ       بهِ يَحْيَـــــــــا الْوَرَى تَحْـــتَ النّعَـالِ
فهــــــلْ مِنْ مُبْـــــــــــــــــلِغٍ أُمّي كـلامـًـا       فَصِيْـــــــحـًا لا يَمُتّ إلى الخَيَـــــالِ
بِأنّي فِيْ رِحَــــــابِ الْخُـلْـــــــــــــدِ أحْيَـا       كَريمًا عِنْدَ ربّــــــي ذِي الْجَـــــــلالِ
وعَامِـــــــــرُ بالشهـــــــــــــــادة قد تحــلّى       وزُيِّــــــنَ بِالْبَـــــــــــهَـاءِ وبِالْجَــــــمَــــــــــالِ
فيا أمّـــــــــــاه لا تأسي وكُــوْنِـــــــــــــــي       خُنـاسَ العَصْرِ صَبرًا في النِّزَالِ
وقُولِي لِلأَحِبّـــــــــةِ مِـــــــــــــــــنْ وَرَائِـــي       دَمُ الأحْــــــرَارِ مَـهْـــــــرٌ للمَــــــــــعَــالِي
بـهِ تُرْوَى غِـــــــراسُ الْمَجْــــــدِ دومًا    ـ   تُسطّـــــرُ فيْـه ملحَمَــــــــةُ الرّجـــــــالِ
مضى وهو يحمل إلى أبِيْهِ جائزةً؛ هي أثمنُ وأغلى ما يقدَّم من ولدٍ إلى والده... أما أمُّه الصابرة؛ فاحتسبتْه عندَ ربِّها وهي تعلم أن لها نصيبًا وافرًا منْ تلك الجائزة يوم تلقَاه... فهنيئًا لأبي عامر ولأم عامر بابنهما الشهيد... وهنيئًا لكل أبوين قدما فتًى كعامر شهيدًا على طريق التحرر من عبودية العباد إلى عبودية ربّ العباد....
محمد جميل جانودي


([1]) استشهد رحمه الله يوم الأربعاء 3رمضان 1432هـ.

الاثنين، 1 أغسطس 2011

الثورة...ورمضان

الثورة... ورمضان
شعر/محمد جميل جانودي
أسْرعْ حَبِيْبِي فَقَلْبِيْ كادَ يَنْفَطِـرُ   شَوْقًـا إلَيْكَ ودَمْعِيْ سَالَ يَنْهَمِـرُ
غَيْرِيْ يَتُوْقُ إلَى لَيْلاهُ فِي سَعَةٍ    لِكِنَّ صَدْريْ بِمَنْ يَهْـوَاهُ يستَعِـرُ
أهْوَى الْهِلالَ إِذَا أبْدَى بِشَاْرَتَهُ     شهْرُ الصِّيَامِ أتَى بالخَيْرِ فَابْتدِرُوا
يَا خَيْرَ شَهْرٍ لَهُ فِيْ النَّفْسِ مَوْقِعُهُ  تَسْمُوْ بِهِ خُلُقًا، تَزْهُــوْ وتَنْتَصِرُ
حُدّثْتُ عَنْكَ كأَنّي لَسْتُ فِيْ شُغُلٍ   فِيْمَنْ أُحِبُ، لَعَمْرِيْ إنّـهُ الْهَـذَرُ
لَمْ يَعْرِفُوْا أنّنِي أبْــقَى مُسَهّدةً    أرْعَى النّجُومَ، بِليْـلٍ مَا بهِ قَمَـرُ
أرعَى النُّجُوْمَ وإنّي أرْتَجِيْ خَبَرًا   يَشْفِي غَلِيْلِي، فَلا حُـزْنٌ ولا كَدَرُ
ولِدتُ فِي الشَّامِ والأفْهَامُ حَائِرَةٌ    مَنْ هَذِهِ؟ أَفْصِحُوا يا قومُ ما الخبَر؟
فالشَّامُ قَدْ عَقِمَتْ والأرْضُ مُجْدِبَةٌ  مَـرّْت عُقُـوْدٌ وَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا مَطرُ
والعِشْبُ أضْحَى هَشيْمًا لا حَيَاةَ بِهِ  بَـكَى عَلَيْهِ قُساةُ القَـلْبِ والحَجَرُ
ولِدْتُ فِي الشَّامِ والآمَالُ قَدْ دُفِنَتْ  فِيْ قَاعِ زِنْـزَانَةِ مِنْ حَوْلِهَا الْخَفَرُ
لَمْ يَدْرِ مُنـدهِشٌ أنّي عَلى قدَرٍ    فمَوْلِدِيْ هَا هُنـَا قَـدْ خَطَّهُ القَدَرُ
ناديتُ(حريّةٌ)في النَّاسِ فَانْدَفَعُوا    بِاسْمِيْ لقَـدْ هَتَفُوْا أَوْ بِاسْمِهَا زَأرُوْا
جُبْتُ الشآم؛ بَواديْها بها عبِقَتْ     أمّا حَوَاضِـرُها؛ فَبِاسٍمِــهَا جَهَـرُوْا
ولدتُ في الشامِ والغِربانُ تُفْـسِدُهَا     منْ خُبثِ ما زَرَعُوْا أوْ سُوْءِ مَا بَذَرُوْا
قدْ حَاوَلُوْا عَبَثًا وأْدِي بِمَكْرِهِمُ      لَكِنَّهُمْ خَسِئوْا، خَابُوْا بِمَاْ ائْتَمَـرُوْا
كمْ لَفّقُوْا تُهمًا ضِدِّي وما فَتِئُوْا     يَرْمُونَنِي، سفَهًا، مِنْ صَرْخَتِي سَخِرُوا
قيلَ اصبْرِي فغَـدًا تأتيكِ بارقَـةٌ      للنَّصْرِ يَحمِلُها ضيْـفٌ لَـهُ أثَـــرُ
والآنَ جئتَ بخَيْرٍ عَـمّ ساحتَـنا      صدْقٍ وصبْـرٍ وإنَّ النَّـصرَ مُنتَظَـرُ
هَـذا هِلالُك أحْـيَا عنْدَنا أمَـلاً       بهِ نَرَى الشَّامَ بالأحْـــرَارِ تَفْتَخِـرُ
هذا هِلالُك بِالبُشرَى يُضـيءُ لنَا      درْبًا فَنُبْـصِـرُ قيـْدَ الذّلِّ ينكسِــرُ
ذكّرْتَنـا بَـدْرًا والبَـدْرُ لَمْ نَـرَهُ     مُذْ عَاثَ فِي أَرْضِنـا مُسْتكْبِـرٌ أشِـرُ
هاهُم بَنيَّ أتَوْا والشوقُ يَـدْفَعُهُـم     للذَّوْدِ عَـنْ أمّـةٍ أبنَـاؤهَـا قُهِـرُوا
هُـم فتيةٌ آمنُـوا باللـهِ ربّهِــمُ     يَرْجُــوْنَ عَيْشًا كريْمًا عَاشهُ الْبَـشَرُ
لم يَحْمِلُوا مَعَهُم إلا مَصَاحِـفَـهمْ     يُـوفُـوْنَ نَـذْرَهُمُ فيْـمَا هُـمُ نَذَرُوا
ما بـدّلوا أبـَدًا في مَطْـلَبٍ طلبُوا    (حريّةٍ) ولهَـا مَـاتُوا ومَـا صَغُـرُوا
لَمْ يَثْـنِهِمْ أبدًا تهديْــدُ طاغِــيةٍ    لَـمْ يُـغْـرِهِـم أبَـدًا مَـالٌ ولا دُررُ
شهْرَ الصيّــامِ ألا من نَفْحَةٍ لَهُـمُ    تُلْـقِي السَّكِيْنَـةَ فيهِــمْ أينَما انْتَشَرُوا
تُحْيي نُفُـوْسَهُمُ، تُمْـضِي عَزَائمَهمْ   تَهْـدِيْ كتائبَــهُم لو أنَّــهم نفَـرُوا
آثَرْتُ صُحبتَهُم في كلِّ مَـوْقِعَـةٍ     هُـمْ عُـزْوَتِي وبِهِِـمْ أَمْضِيْ وَلا أَذَرُ
الأحد 30/شعبان/1432 الموافق 31تموز 2011-07-31

الثلاثاء، 19 يوليو 2011

همسة محب...على طريق الثورة


همسة محب ...على طريق الثورة
في عالم التجارة والمال... يكون للمرء أولويات، فهو يقدم الربح الأكثر على ذاك الأقل... ويقدم الربح عامة على أي خسارة، كما أنه يختار الصفقة ذات الخسارة الأقل على تلك التي خسارتها أكثر إن كان لا بد من ذلك... والأمر نفسه في عالم الوقت والزمن فهو يختار العمل الأنجع والأكثر الذي يُنْجَزُ في زمن أقل.. إنّه لا يهدر الوقت بما لا طائل وراءه، أو بما كان نفعه قليلاً...لأن هدر الوقت هو هدر للحياة..
ولا يمكن لعاقل أن يقول غير ذلك... فما لنا نرى هذه القاعدة تختل موازينها، وتنعكس مفاهيمها في مجال آخر؟!
منذ أن أشرقت شمس الثورة السورية على الدنيا، وعمّ ضياؤها الأرض،،وأخذ أريجها يملأ التلال والوهاد، والحواضر والبوادي....كان ذلك يترافق مع طاقات هائلة لدى أداتها الفعالة، وهي الشباب الثائر الذي ينشد غاية واحدة لا غير... ينشد الحرية التي يندرج تحتها..تخليص الإنسان من أي عبودية لغير الله تعالى...وتتمثل في إسقاط الظلم بكل صوره وأشكاله، وإسقاط التفرد الدائم والمستمر بأمر ما؛ حتى ولو صدر من عبقري... وإسقاط الفساد وأدواته.. ويندرج تحتها أيضًا الحياة الكريمة العزيزة لجميع أفراد الشعب السوري على مختلف انتماءاتهم، وتباين مناطق وجودهم على تراب سوريا كافة...
وذَهَلت الثورة كثيرًا من الناس، وجذبت إليها فئامًا من كل حدب وصوب، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.... وأخذت هذه الفئام تعمل لنصرة الثورة بما تملك من وسائل أو أدوات... ونصرة الثورة تتمثل كما سبقت الإشارة إليه بالسعي لبلوغ الهدف المنشود...((الحرية))..
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن.. هل يجوز أن يكون اسم الدولة محطة يتفرق عندها المجتمعون، وتتبدد طاقاتهم من أجله، وتتباعد النفوس قبل الأبدان بسببه؟
وليس اسم الدولة هو المعني تحديدًا، فكم من مثله سيتم التوقف عنده والثورة تشق طريقها فيما لو نجحت المحاولة... تُرى أيهما أقل ضررًا وأكثر نفعًا .. العناد والتوقف عند هذه الجزئية الصغيرة، وعدم تخطيها إلى ما ينتظر الجميع بعدها.. أم تمريرها وتأجيلها إلى البت فيها في الوقت المناسب؟
أترك الجواب إلى إخواننا وأحبّتنا الكُرد (هو الاسم الذي يُحبون أن يُسمّوا به) الذين ما أحسسنا وهم موجودون فيما بيننا على ثرى الوطن الغالي أن معنا غير إخوة وأحبة، وأصحاب أرض ومواطنين ... كانوا جزءًا من نسيج ثوب الوطن بلونه الزاهي، ولحمته القوية، لم يكن ثمة أي فرق بين مكونات ذلك الثوب.. ولاسيما بين عربه وكرده.. كان بينهم التصاهر والتزواج والتوارث والتعامل بكل صوره، والتلاقي على قيم اجتماعية وأخلاقية عديدة.. لا تمييز بين المكونين... والإخوة الأكراد يعرفون ذلك والعرب يعرفونه أيضًا.. وبخاصة بعد أن دمج الإسلام الشعبين تحت لوائه، وصهرهم في بوتقته..
يا إخوتنا الكُرد.. لستم أنتم الذين يصدر عنكم أنكم تحسون بغبن بين ظهراني إخوتكم العرب... بل ربما يبرَّرُ لغيركم أن يصدر منه ذلك (على سبيل الافتراض).. وأن يُصاب بالغيرة منكم، لما تبوأتم به من مكانة؛ ليس لأحد فضل عليكم بتبوُّئِها سوى جهدكم وإخلاصكم.. وتفانيكم في أن تكونوا الأول في البناء والتعمير والنصرة لوطنكم الذي هو وطن الجميع.. تبوأتم مكان الصدارة في نفوس جميع العرب والمسلمين بالبطل صلاح الدين، وبغيره من القادة الأفذاذ... وتبوّأتم مكان الصدارة أيضًا عندهم بالتلاحم الرائع، والتناصر المشهود؛ بينكم وبين شيخ الإسلام ابن تيمية حين واجه العديد من المؤامرات عليه وعلى بيضة الإسلام من قبل الآخرين... وتبوأتم الصدارة في جهادكم الفرنسيين إبان احتلالهم لسوريا... وزهت بكم مواقع ذات شأن في قيادة المجتمع والدولة... إلى أن جاء عهدٌ نشاز تنكر لهذا كله، وأرادكم أن تكونوا قلّة لا شأن لها.. ليدعم وجوده بذلك... فجاهدتم مأجورين تلك الفكرة الضالة.. وقدمتم الشهداء.. فبالله عليكم أيجوز أن نرى بعضكم ينقُض ما غزلتم، ويهدم ما بنيتم من أجل أمر ما له أن يكون في الثانويات فضلاً أن يكون في الأولويات...
أيها الأخوة الكرد الذين التبس عليهم الأمر، أيُعقل أن تُعَرقَل مسيرة الثورة وهي تحث الخطا نحو هدفها الأصيل من أجل لعاعة يسيرة.. وأمرها محلول، وسيكون لكم ما تنشدون من خلال إرادة الشعب السوري الذي ما أحسب أن أحدًا ينتمي إليه، ويكون مخلصًا له؛ وبع ذلك يخرج عن تلك الإرادة... .ثم إنكم لا تحتاجون من يذكركم بأن العربية ليست لأحد بأب وأم وإنما من تكلم العربية فهو عربي... وجلّكم، إن لم نقل كلكم، يتكلم بالعربية في اليوم خمس مرات على الأقل، فما أحسب أن في الأمر بأسًا أن يتضمن اسم الدولة ما يشير إلى عروبتها... فإن ذلك لا يمس من قيم أحد أو مقدساته.. 
وغني عن القول أن الثورة قد شقت طريقها نحو هدفها.. وهي محمية برعاية الله أولاً ثم بوعي الشعب بكل فئاته المتعددة.. ولن يضيرها نفخة من هنا لتطفئ جذوتها، أو حجرة هشة توقف مسيرتها...والرجوع إلى الحق والصواب فضيلة... وبقية إخوانكم من أفراد الشعب السوري يؤملون فيكم أن تُنَمُّوا خيريتكم التي ألفوها منكم، فيما مضى، لتكون شمسًا تضيء سماء سوريا إلى جانب أخواتها شموس سائر فئات الشعب ومكوناته حين تنتصر إرادة الشعب في الحرية والكرامة.. فهيا يا أحبتنا إلى روضة الشعب الغناء وانضافوا إلى أزهارها العطرة  لتكمل النكهةُ الكرديةُ نكهاتِ الأزهار الأخرى، وعندئذٍ تتقدم هذه الروضة إلى العالم، وتطل عليه بنموذج فريد لم يُر مثله منذ زمن!! فتحية إلى جميع إخوتنا الكرد وغيرهم ممن لم يسمحوا لأنفسهم أن يقعوا في ((مطبات)) وُضِعت عن قصد لإجهاض الثورة أو الالتفاف عليها... إنهم بذكائهم الفطري، وفراستهم القوية عرفوا اللعبة وما ترمي إليه.. فأفشلوها...
إنّ أصحاب النفوس الكبيرة، والهمم العالية، لا يرضون بالصغائر من الأمور، ولا يسمحون لها أن تقف عقبة في الوصول إلى النفيس الغالي... وهل عنى الشاعر غيرهم حين قال:
إذا ما كنت ذا شرف عظيم     فلا تقنَـع بِـما دون النجُوم
فطعم الموت في أمر حقير      كطعم الموت في أمر عظيم
محمد جميل جانودي

هذي حماة


بسم الله الرحمن الرحيم
هـذي حماةُ...
شعر/محمد جميل جانودي
قُمْ يَا بُنيّ فإنّ الناسَ قدْ ثَـارُوْا      أدْرِكْ مَكَانَكَ، لا يَنْزِلْ بِكَ العَارُ
أدِْركْ مَكَانَكَ فِيْهِمْ وارْقَ مَنْزِلَـةً     لَنْ يَرْقَهَا أبـدًا في الْقَومِ خوّارُ
قُمْ يَا بُنـيّ وسَابِقْ فِتْيَةً نَـذَرُوْا     للَّـهِ أنْفُسَهُمْ، للحَقّ قَـدْ ساروا
قُـمْ يا بُني فَإنّي جِدُّ مُعْجَبَــةٌ     فِيْمَاْ أَرَاهُ هُـنا يُمْضيْـهِ أَخْيَارُ
هذِي حَمَاةُ وكلُّ النّـاسِ يعْرفُهَا     بَذلٌ وتَضْحِيَةٌ ، جُـوْدٌ وإيْثـارُ
للنَّفْسِ باذِلةٌ، لِلْمَـال واهِبـَـةٌ     للِعرْضِ حَامِيَةٌ،في الخَيْر مِحْضَارُ
هَذِيْ حَمَاةُ تقومُ الْيَوْمَ قَوْمَتَــهَا     قدّ شدّ لُحْمتَهَا في السَّاحِ أحرارُ
يَرنُوْ لَهَا الْعَاصِيْ والْعَيْنُ ضَاحِكةٌ    مما يَرى فَرِحًا والدمْـعُ ثَرْثَارُ
آنَ الأوانُ لدَمْعِـي أنْ يكفَّ وأنْ     ألْقَـاكِ مُبتَسِـمًا والخَيْرُ مِدْرَارُ
آن الأوان لِحُزنِـي أنْ يُفَـارِقَنِي    مِنْ بَعْدِ مَا أَشرَقت فِيْ الأَرْضِ أقْمَارُ
هذي ضفَافِي قَدِ اخْضرّت مُنوّرةً     تَميس مِنْ فَوْقِهَا يا أمُّ أزهَـارُ
غنّتْ نَوَاعِيْرِي أحْـلى قَصائدِهَـا    أمَّ الفِـدا ِتْيهِي؛ في الشَّامِ ثوَّارُ
في الشَّامِ كَوْكبَـةٌ سادَتْ نجَائِبُهَا      تمْضي لِبُغيتهـا والبَغْي مُحْتَارُ
لا تحْسَِبي الذِّكْرى قدْ أَصْبَحتْ أثَرًا    بَلْ إنّهَا حَيّـةٌ والقَـلبُ ذكَّارُ
لمْ أَنسَ يَـوْمًا منَ الأهْوالِ حَلّ بِنَا   شابَ الْفَطيْمُ لَـهُ والشيْخُ مُنهَارُ
لمْ أَنسَ مَجْـزَرَةً حلّتْ بِدِيْرتِنـا     قدْ كانَ مُجْرمَها وغـدٌ وجَزّارُ
أُمْطِرْتِ منْ حِمَمٍ والمُمْطِرون دُمًى   يَلْهُو بأحْلامِهِمْ فِي الأرضِ مكّارُ
واليومَ نَشْهَدُ عُرْسًا لا مَثيْـلَ لَـهُ    فِيْ سَاحَةِ العَاصِيْ أشْبَالُنا ثَارُوا
 في سَاْحَةِ الْعَاصِيْ تَشْدُو حَنَاْجِرُهُمْ   فِي ذكْرِ لُؤْلُؤَةٍ مِنْ حَوْلِهَا دارُوا  
في ساحةِ الْعَاصِي تَرْنُو العيونُ إلى   هَيْفَـاءَ شامخَةٍ في رأسِهَا غَارُ
((حُريةٍ)) ولَهَا في السَّاحِ شَارَتُها      تهْفُو النّفُوْسُ لَهَا والْقَلْبُ مَـوّارُ
خُطّـابُهَا قَدّمُـوْا مَهْرًا لَهَا دَمَهُمْ      قَتْلاهمُ تَتْرَى والحَبْـلُ جَـرّارُ
لم يَثْنِهمْ وعْـٌد أعْطَاهُ ذو سَفَـهٍ      مِنْ طبْعهِ الْغَدْرُ والجَـلاّدُ غدَّارُ
أمّا الوعيْـدُ فَلَمْ يخْدِشْ عَزَائِمَهُمْ      فِيْ نَفْسِ أدْنَـاهُمُ عَزْمٌ وإصْرَارُ
قُمْ يا بُنيَّ وعِشْ أيَّـامَ مَفْخَـرَةٍ      فِيْهَا يُهَنّـئُ جَزْلاً جَارَهُ الْجَـارُ
      فيْهَا نَعِيْشُ بِـلا قَـيْـدٍ يُكَـبِّلُنا     هلاّ عرفتَ لِم الأحْرَارُ قدْ ثَاروا؟        
هَذِيْ حَمَاةُ وَإنّي بِنْتُ سَاحَتِهَــا     أنْعمْ بِهَا أمًا، عَزّت بِهَـا الـدارُ


ميلاد الثورة


ميلاد الثورة...
حتى وقت قريب؛ وفي عالم الولادات، يُعتبَر شخص ما قد ولد من لحظة خروجه من رحم أمه على الدنيا.. ويبدأ المهتمون بذلك يُحصون عمره وأحواله من تلك اللحظة، ويدرسون كل ما يمر به من تطور وتغير عضوي، أو نفسي أو عقلي... ويربطون بين تلك التغيرات وما يشاهدونه على المولود من سلوكيات وممارسات.. ثم يُقدمون تقريرهم عنه بما يحتويه من إيجابيات أو سلبيات... ولكن الأمر تغير فيما بعد؛ فتوجهت الدراسات بعد الاكتشافات المذهلة من قبل علماء الأحياء والطب والوراثة والنفس والاجتماع إلى الاهتمام الجاد والدقيق بحياة الطفل منذ لحظة تكونه كعلقة في رحم أمه... وما يتعرض من مؤثرات ومحرضات لسلوكه حتى وهو في داخل ذلك الرحم.. ويراقبون استجاباته لتلك المؤثرات ، ومن ثم يربطون حياته بكل صورها العضوية والنفسية والعقلية بتلك المرحلة... بل ويذهب كثيرون إلى أبعد من ذلك ضاربين في أعماق سلالة الأبوين ، وما يحملان من مورثات، لها أثر على الأبناء ولو بعد أجيال...
وأحسب، والله أعلم، أن الحديث عن الثورة السورية يجب أن يتم بمنهجية مماثلة حتى لا نهضمها حقها... حقًا إن الثورة السورية ولدت بالشكل الذي رأيناه ونراه، في اليوم العاشر من ربيع الآخر، لعام ألف وأربعمائة واثنين وثلاثين للهجرة، والموافق للخامس عشر من آذار لسنة ألفين وإحدى عشرة للميلاد، وأخذنا نقيّم فعالياتها ومُجرياتها منذ ذلك التاريخ... ولكن من العدل والإنصاف أن نرجع إليها وهي في رحم أمها، والرحم هنا هو الوطن والشعب آخذين بعين الاعتبار الأطر الاجتماعية والظروف القاسية والصعبة والمرّة التي تعرض لها ذلك الرحم، وآثار ذلك على الثورة الجنين...
إن الثورة السورية ولدت حقيقة من أول يوم أحس فيه المواطنون باقتناص موقع التحكم بشؤون حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها؛ اقتناصًا لم يكن له مثيل أو نظير... وأخذ هذا الإحساس يلعب دوره الهام، في التحضير للثورة، من خلال الآثار المترتبة عليه...
ظهرت تلك الآثار بصور عديدة.. ظهرت في التململ العام والعارم لدى الناس جميعًا لحظة وقوع ذلك القنص.. وظهرت في الهمسات والتمتمات التي لم يكن لها أن تغادر الشفاه، إلا لدى النذر اليسير، وهي تتساءل.. كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟... ظهرت في تلك الهبّة القوية التي كان لها صداها في كل أنحاء سوريا، اعتراضًا على الدستور ومواده الغريبة العجيبة... وهذه الآثار ظهرت متمثلة بأرتال سجناء الرأي الذين استجابوا لمؤثرات الضغط النفسي داخلهم، والضغط السلطوي، الممارس في داخل رحم الثورة (الشعب والوطن)، التي لم تولد بعد؛ بالمفهوم التقليدي للولادة.. فارتفعت الهمسات، وأصبحت صرخات... ظهرت كذلك باستنكارٍ، ذي كُمُون هائل، لذلك الفرز البغيض لأفراد الشعب الواحد حين تم تأسيس ما أطلق عليه ((الجيش العقائدي)) ومنظمات ((الطلائع)) و((شبيبة الثورة)) وغيرها...كما تجلّت آثار ذلك الإحساس لدى الناس، بذلك التعامل الوحشي غير المسبوق مع الشعب الأعزل، في حماة، وجسر الشغور، وسرمدا، وحلب، وحمص، وغيرها من المدن السورية... وظهرت بالصبر المرير على استغفال الناس، والسخرية منهم، حين يُضحَك عليهم بكلمات ظاهرها الرحمة والصمود والممانعة، أما باطنها فمنْ قِبَله العذاب الذي يتمثل في الكذب والاستسلام والتسويف للمواجهة مع ((العدو))... كل ذلك كان يتم في الرحم ظاهرًا وباطنًا... وظهر أثر ذلك الإحساس أيضًا بالصبر على لأواء الغربة وشدة مرارتها، وقسوة عَيْشها عند من أُخرجوا من بيوتهم ووطنهم قسرًا... وكان كل ذلك يسير جنبًا إلى جنب مع تنامي الطاقة الكامنة المخزونة في نفوس وصدور الناس، والتي تكفلت مُوَرّثاتُهم النفسية والاجتماعية والبيولوجية إلى نقلها، بأمانة، خلال ما يزيد عن أربعين سنة، إلى صدور الأبناء والأحفاد ...
وحين حفلت تلك الصدور بذلك الكمّ الهائل من الطاقة... فاجأت الناس بولادة لم تكن طبيعية... صحيح أن الناس يعرفون أنّ للظلم نهاية حتمية، وأن الأيام دولٌ بين الناس، وأن للصبر حدودًا ثم ينفد... ولكن لم يكن أحد يتوقع أن الصدور التي تغلي بها تلك الطاقة قد ضاقت بها ولم تعد تحتمل مزيدًا من الغليان... وأن النفوس التي كانت تمثل جبالاً من الصبر لم تعد تستطيع أن تكْبُر أكثر مما وصلت إليه لتتسع لصبر أكثر... في هذه اللحظة  شاء الله أن تولد الثورة للعيان، بعد أن كانت مولودة في كل صدر وجَنان... أجل ولدت ، وما من أحد صدق ذلك... ولكن سرعان ما تلاشى وقع تلك المفاجأة، حين رأى الناس أن هذا الوليد ينمو بصورة مثيرة ومدهشة، كما ولد بصورة مثيرة ومدهشة.. ذلك لأن ما لديه من مخزون للزاد والطاقة كفيل له بذلك التنامي السريع...
 وأخذ المراقبون والمحللون والدارسون يُدلون بآرائهم في هذه الولادة وظاهرة التنامي المتسارع، والارتقاء الإيجابي بالوسيلة والهدف... ولكل وجهة نظر.. وفي الغالب كانت وجهات النظر، تلك، لا تجافي الحقيقة، أو ما يقترب منها... ولكن الذي أحسب أنه غير مقبول هو بعض وجهات النظر، التي تتمثل في أن نغمض عيوننا عما جرى في رحم الثورة عبر عقود، ونتجاهل دوره وإيجابيته في وصول الثورة إلى ما وصلت إليه... وهذا الدور يتمثل في نبعين للطاقة الثورية أولهما محاولات الآباء والأجداد التي أشرنا إليها أعلاه، وإن لم تؤت ثمارًا آنية إلا أنها كانت وقودًا مخزّنًا لليوم المرتقب... وثانيهما جهل السلطة المقتنِصَة بطبائع الأشياء، وإصرارها على مزيد من القمع والاستئصال والإقصاء والاستهانة والاستغفال...فلله در هذين النبعين كم كان لهما أثر في تفجير الثورة!!!
انطلاقًا مما سبق بيانه نخاطب شيوخ اليوم وكهوله قائلين لهم: لا تجلدوا أنفسكم كثيرًا حين تجردونها من أي دور لما يقع اليوم على أرض سوريا الحبيبة... نعم؛ أنتم تُشْكرون على عَزْو الفضل لأهله ... هذا الفضل الذي جسده الشباب الطاهر النقي وهو يبذل دماءه رخيصة من أجل إعادة المغصوب إلى أصحابه الشرعيين... وهذا تواضع محمود منكم... ولكن لا تظلموا من أراق دمه منكم ومن جيلكم وهو يهدف إلى الغاية نفسها .. حتى لو أخطأ في الاجتهاد، أو تعثر في الطريق؛ لظروف قد يكون معذورًا بها.. وما أحسب أن الشباب الثائر الآن يرضى عن ذلك التجاهل والتغافل...بل يُزعجه ويؤذيه..
كما نخاطب آخرين ممن لم ينظروا إلى الثورة إلا بدءًا من يوم الثلاثاء الخامس عشر من آذار ونقول لهم: نرجوكم يا أحبتنا وسّعوا أفق نظركم، وليكن له قدرة على العودة إلى الذاكرة التي تحمل في سطورها كثيرًا من الثمين والسمين الذي يجب ألا يُغفل ولا يُنسى...
إن أي ولادة تصحبها آلام وأفراح...واقتضت حكمة الله أن تكون الآلام في عهد الشيوخ والأفراح في عهد الشباب، وهذا منطقي لأن ألم الولادة يسبق الفرح بها...وإن كان لا يخلو كل منهما من الآخر ولو بنسبة ما!!
وعليه فإن الثورة هي جماع ذلك كله... إنها ثورة شيوخ شابوا فيها، وثورة شباب أعادوا إليها نُضْرتها وحيويتها وتوهّجها من بعد ما شابها الذي شابها، وكادت جذوتها أن تنطفئ... شبابٍ عالجوا ما شوهها من جروح وندوب، في المسيرة الأربعينية الطويلة... وهاهم الآن يكسونها أجمل حلّة؛ وهي تتأهب للبر والوفاء بالرحم الذي احتضنها أولاً، ثم دفع بها إلى العالَم لتكون أعجوبة العصر ثانيًا...نعم الوفاء للشعب والوطن، بأن تعيد إليه ما اغتُصب منه وزيادة...فلْيَسِرْ الشيوخُ وراء الشباب يراقبونهم، ويتعلمون منهم، وينصحونهم، ويدعون لهم...ولا ريب في أن الشباب حين يصلون إلى أول مَعْلَمٍ لهدفهم سيلتفتون إلى الشيوخ، ويلتفون حولهم، ويقولون برًا بهم ووفاء لهم: شُكرًا لكم، فقد كان لسيركم وراءنا، ودعائكم لنا أثرٌ فيما وصلنا، جميعًا، إليه....فخذوا أمكنتكم داعين وناصحين وموجهين... ولنأخذ أمكنتا ثائرين وفاعلين وبانين.. فالطريق طويل.. ولكننا سنسيره معًا متعاونين متآزرين ...
الأحد  16/شعبان/ 1432 الموافق لـ 17/تموز/2011  
محمد جميل جانودي.