السبت، 18 يونيو 2011

بوركت يا جسر الشغور

بُورِكتِ يا جسر الشغور بوقفةٍ
شعر/ محمد جميل جانودي
مِنْ هَائمٍ بالأهْــلِ والخِـــلّانِ          مِنْ غَـارقٍ فِـيْ لُجّـة الأحْزَانِ
 مِنْ مُطلِقِ العَيْنَيْنِ تَبْـكِي حُـرْقَةً        أسَفًـا عَـلَى الأَصْحَابِ والإخْوانِ
 متشَـوّقٍ لأهـلّـةٍ معَ بدْرِهــا         أفَلَـتْ وراءَ سحَـابةٍ ودُخَــانِ
 ممّـنْ تَنَسّـم مِنْ صَبَاكِ أريجَـهُ         ومِــنَ الدّبـُورِ نَسَائمَ الشُّطْآنِ
 تأتيكِ يا جِسْرَ الشغُـور قَصَائِدي         تَـرْويْ حِكَايَةَ مُغْــرَم ولْهـانِ
تَرْويْ حكايةَ عَـاشقٍ لـمْ يُنْسِـهِ          جَـورُ المنَـافِـي دُرّةَ البُـلْدانِ
لمْ يُنْـسِه قيَمَ الرّجُـولةِ والشّهَــا        مَـةِ والإبَـاءِ بشعْبِـكِ الْمُتَفَـاني
لمْ يُنسـهِ ومَضـاتِ نُـورٍ أشْرَقَتْ        (يَـومَ البَريْدِ) عَلَى مَدى الأزْمَانِ
لم يُنْـسِهِ صَفَحَـاتِ أبْطالٍ زهَـتْ        مَخطُـوطةً بِـدمٍ طَهُــوْرٍ قَانِ
 أُهْدي إليكِ حُــروفَ شوْقٍ عَارِمٍ        عَـربيّـةً، ذهبـيّـةَ الّلَمَعَــانِ
 بُورِكْتِ يا جِسرَ الشُّغُـور بوَقْفَـةٍ        نَاصَرْتِ فيْها الأهْلَ مِـنْ حَورانِ
 نسَماتُ واديْـكِ المُعَــطَرِ ورْدُه         حمَلَتْ إلينَـا نفْـحَــةَ الرّيْحَانِ
 أثلَجْتِ صَدْرِيَ يا رفيقةَ خاطِـري        ما غِبْتِ عنْهُ عَـلى مَدى الأزمانِ
 أنّى لِحُـبٍّ أنْ يُـفَـارِقَ حِبَّــهُ         مَهْمَـا جَـرَى في دَوْرةِ الْحَدَثَانِ
 جِسْرَ الشّغُـورِ مَلأتِ كلّ جَوانِحِي        أمَـلاً وهَــزَّ الشَّوْقُ كلَّ كِيَانِي
 قالُوا غفَـتْ فأجَبْتُهُمْ لا، بَلْ كبَـتْ       تكبـُو الْجِيَـادُ هُنَيْـهَـةً لِثَـوَانِ
 حَتى إذا دُعِيَتْ رأَيْتَ غُبَــارَهـا        يَعْـلُو ويَمْـلأُ سَـاحَـةَ الْميْدانِ
غَامَتْ سماؤُكِ يا عَـرينَ فَوَارِسٍ          والأسْـدُ فيْـكِ رهَائنُ السَّجّـانِ
 يـومًا رقَدْتِ على بِساطٍ أخْضَـرٍ        وشّـاهُ زهُــرُ الـوَرْدِ والرُّمَّانِ
غنّى لـكِ العَاصي زَمَانًا وانتَشت          بنَشيـدِهِ الأرْوَاحُ فِــي الأبـدانِ
 غنّى يُـرَدّدُ مَـا تَـواترَ ذِكْـرُه          عَنْ قَــائدٍ، عـنْ عَالِمٍ ربّـانِي
 عَنْ فِتْيَـةٍ مثْـلَ النجـوم تألّـقُوا        فَمَحَــوا ظـلامَ الجَهْلِ والأدْرَانِ
 واليَـوْمَ غنّى إنَّـمَـا بِقَصِيْــدَةٍ         تُــدْمِي القُلُوبَ لِكثْرَةِ الأشْجَـانِ
 غنّى لكِ الْـعَاصي فَهزَّ غِـنـاؤُه        كلَّ المَشَاعِرِ في دُنَــى الإنْسانِ
غنّى لكِ العَـاصي وفي أحْشـائهِ          جَمْـرٌ تأجّــجَ منْ لَظَى النيْرانِ
 لمّـا أتتْـكِ اليَـومَ نفثـةُ حَـاقدٍ         فـاقَـتْ بِـحَقٍ نَفْثَـةَ الشّيْطانِ
 قدْ جَـاء يُفْـرِغُ حِقدَ أعْوامٍ خَلَتْ         لمّـا رفَضْـتِ الـذّلّ للطّـغْيَانِ
وصرَخْتِ لا، في وجْهِـهِ، أفْهَمْتِهِ         ألاّ خُضـوعَ لآثِـمٍ خَـــوّانِ
 وافاكِ يَا جِسْـرَ الشّغُـور بِجُنْـدِه        وعَتَـادِه في خُـطّة العِبْـراني
 وافاكِ والبَغضَــاءُ تأْكلُ قَـلْبَـهُ        ولَقَـلْبُــه أقْسَى مِنَ الصّـوَّانِ
 لَمْ يسْـتطِعْ كَظْـمًا لِغَيْـظٍ هَـدّهُ         لمّـا عَلا التكبيْـرُ كلّ مَكَــانِ
 وامْتَازَ غيْظـاً حِيْنَ أبْصَـرَ فِتْيةً         وقَفُـوا لَهُ في أخْضرِ الأغْصَانِ
 لكِـنَّ أصْـواتًا لَهُم قَـدْ أعلَـنتْ         إنّـا نُريْــدُ تساقُـطَ الأوْثَـانِ
إنّا نُـريدُ تَـحَـرُّرًا وكَـرامـَةً           ونَقُــولُ لا لِتفَـرُّدِ السُّـلْطَانِ
 حتّـى اضْطُـررْتِ لهَجْـر سَا           حَـاتِ الصِّبـا، وتفَرُّقِ الْخلاّنِ
 وغَــدَوْتِ خاويةً وقلْبُـكِ والِهٌ           بالْمَسْجِـدِ الْمَحْـزونِ والبُسْتَانِ
 فارقتِـهَا والدمعُ مِنْـها هَـامِـعٌ         تَبْـكي الأشاوسَ من بَني عَدْنَانِ
 نَزَحَتْ جُموعُك وهي تَصْفَعُ مُجْرِمًا       عُـدْ خائبًا، لا لَنْ تمَـسّ كياني
لا لَـنْ تَمَسّ شُـعَـيْرةً لِصَبِيّـةٍ          أو ظُفْـرَ طفْـلٍ لائـذِ بجَنانـي
 عُـدْ خائبًا، وغَـدًا سيأتي حاملاً         معَـهُ البشـائرَ للأسيـرِ العَانِي
 أنَـا لَـمْ أَفِـرّ لأنَّــني خَـوَّارةٌ        عِنْــدِيْ تَرَبّى أَشْجَـعُ الشّجْعَانِ
 لكِنَّنِي أبْعَـدْتُ عِـرضيَ عنْ سفَا        هَـة نــا قِصٍ ذي خِسّةٍ وجَبَانِ
كلُّ الشثيْقَـاتِ اللّـوَاتي جَـاءَهَـا         وصفَتْـه بالغَــدّار والثُّعْبَـانِ
 حُرُمـاتُها انْتُهِـكتْ بأيدي غِـلْمَةٍ        مَشْحُـونةٍ بالحِقْــدِ والأضْغَانِ
 أنا لي سؤالٌ سَوْفَ أطْرَحُه عَـلى        ذي حِكْمَـةٍ، مُتـفَـهّمٍ لِمعَــانِ
 مَنْ ذا الذي يَرْضَى تَسَلُّطَ طُغْمَـةٍ         تلكَ السّنـينَ بِحَـربَــةٍ وسِنَانِ
 مَنْ ذا الذي يَرْضى حيَـاةً مُـرّةً         قَــدْ سُـوّدَتْ بمَـذلّةٍ وهَـوَانِ
 مَنْ ذا الذي يَسْطيْعُ صَمْتًا مُطْبِـقًا         عَـنْ قتْـلٍ آمَــالٍ ووَأْدِ أمَانِ
 سأثُوُر مِنْ قَلْبِ الخِيَـامِ وفي يَدِي         غُصــنُ السّلامِ لِشَعْبِيَ الظَّمْآنِ
 سأثُـوْرُ دوْمًا هَـهُنا في غُـرْبتي        وسأفْضَــحُ الكَـذّابَ ذا البُهتانِ
 سأعُـودُ لِكِنْ حينَ يَسْقُطُ صَاغِـرًا        وعَلَيْـهِ وصْمـةُ صفْقَةِ الْجُوْلانِ
 سأعُـودُ لَكِنْ حِيْـنَ تَعْلُوْ رَايَــةٌ        نُقِـشَتْ عَلَـيْهَا عِـزّةُ الأَوْطانِ
 سـأعُـودُ إنْ حُـريّتي عـانقْتُهـا       مِـنْ غيْرِ خَـوْفٍ تالي القُـرْآنِ
       الأحد 10رجب/1432 الموافق لـ 12/حزيران/2011

السبت، 26 مارس 2011

إلى درعا الباسلة

                                                    بسم الله الرحمن الرحيم

درْعَــا إلَيْـكِ تَحِـيّتِي وسَـلامِي
1
يَا قَلْعَـةً صمَـدَتْ بِأَرْضِ الشَّــامِ
يَـا صَخْـرَةً وقَـفَـتْ عليْـها ثُـلَّةٌ
2
عَربيّـةٌ، تحْمِيْ حِمَـى الإسْــلَامِ
هبَّـتْ لتُـعْلِـنَ غَضْبَـةً مُضَـرِيّةً
3
فِـي وجْـهِ بَـاغٍ مُفْسدٍ وحَـرَامي
صرَخَتْ، وقَـالتْ لا لِطَاغيَةٍ عَتَــا
4
متَـمَـاديًا في جَــوْرِهِ، مُتَعَــامِ
كَـمْ مَـرَّةٍ نصَحُــوْهُ، قـَوْلاً ليّنًـا
5
كَمْ ذَكّــروه مَـآسِيَ الأيْتَـــامِ
لَمْ يَسْتجِِبْ وأدَارَ ظهْـرًا مُعْـرِضـًا
6
عن نَاصِـحٍ يرجـُو الهُدَى وإمَـامِ
قَالُوا: جـِدارُ الخَـوْفِ يَمْنَعُ ثَائِـرًا
7
فَـكَسَرتِـهِ بِالعَــزْم والإقْــدَامِ
قَالُوا: مُحَـالٌ أنْ يُثــَارَ بِأَرْضِنَـا
8
مِنْ أجْــل حَـقٍ دِيْسَ بالأقْــدَامِ
أضْحَى الْمُحَالُ لَدَيْكِ أمْــرًا مُمْـكِنًا
9
أكّدْتـهِ بِـبسـالَـة الضِّـرْغَــامِ
فنّـدْتِ يَــا دَرْعَا مَزاعِمَ أُطْلِقَـتْ
10
لِتَنَـالَ مِنْ هَـدَفِ الشبَـابِ السّامِي
زعَمُـوا وقَــالُوا أنَّ مُنْـدسّـاً أتَى
11
دَخَلَ الصّفُـوفَ بخلْسـَة وظَــلامِ
أغْـرَاكِ حَتى صِـرْتِ مِطْـواعًا لهُ
12
وأجَبْــتِهِ في لهْـفَــةٍ وهِيَــامِ
يا ويْحَـهُمْ قَدْ جَـرّدُوكِ مِنَ النَّبــا
13
هَـةِ والّذكاءِ وفِـطْنَــةِ الأعْـلامِ
قَالُوا بِأنّكِ طَـوْعُ "شِرْذِمَـةٍ" بَغَـتْ
14
في عُرْفِـهم في سَالِفِ الأعْـــوَامِ
جَعَـلُوكِ طفْـلاً ليسَ مِـنْ رأْيٍ لَـهُ
15
يَمْـشي بإمْـرَةِ "مُغْـرِضٍ هَـدّامِ"
مَلّ الأنـَـامُ مقالَـهُم وهُـراءَهُــم
16
في فِــرْيَةٍ مكْشوفَــةِ الأسْقَــامِ
لَوْ كانَ حقّـا مَـا يَقُـولُ دَعِـيُّـهُم
17
لَبَــدَا جَـليّــًا ذاكَ للأفْـهَــامِ
عَلِـمَ الأنـَـامُ بِـأنّ كلَّ مُـوَاطِـنٍ
18
في عُرْفِهم هُو صاحِـبُ الآثـَــامِ
مَا لَم يَكُنْ ذيْــلاً لهُـم، متجَـسّسًا
19
ويَشِـيْ بِـكلِّ مُجَــاهِدٍ مِقْــدَامِ
وَيلٌ لَهُمْ؛ هَـلْ صارَ مَنْ يَدْعُو إِلـى
20
مَحْـوِ الفسَــادِ مُمَـالئًا لطَغَــامِ
هَلْ صَار مَنْ يَبْغِي التّحرّرَ والكَرَامـ
21
ـةَ تابعِـًا لِلْغَـاصِـبِ الظَّــلامِ
هَلْ صَارَ مَنْ يَبْغِي العَـدَالةَ مُوْهِـنًا
22
لِلنّفسِ، زارِعَ فُـرْقَـةٍ وخِصَــامِ
هَل صارَ مَنْ يَدْعُو إلى نَبْـذِ التسلُّـ
23
طِ والتغَطْـرُسِ جَالِـبًا لحِـمَــامِ
أنَا لَسْتُ أدْرِي هَلْ يُصـدّقُ عَـاقِـلٌ
24
ما لَفّـقُوا بِـوَسَـائِـلِ الإعْــلامِ
أنَـا لا أَلُـومُهُـمُ لأنّـي مُـوقِـنٌ
25
في أنَّهُـم لا يَسْمعُـونَ مَـلامِـي
لكِنَّ لَوْمِـيَ للّذي يُخْـفِي الْحَقِـيْقَـ
26
ـةَ سَاكِتًا عن عُصْبَــةِ الإِجْـرَامِ
يَضَعُ الْمَـبَـادِئَ جَانِبًـا، ومُجَـانِبًا
27
قَـــوْلاً يَقُـضُّ مَضاجِـعَ الأزْلامِ
لا للْــجـزيرَةِ في سكوتٍ مُؤْسِفٍ
28
عمّـا يُـدَبَّــرُ في بـِلادِ الشَّـامِ
صِـدْقُ القَنَـاةِ يكُـونُ في إنْجَازِهـا
29
بأمَــانَـــةٍ في دِقَّـةٍ وتَمـَـامِ
مِنْ غَـيرِ تَـوْرِيَـةٍ ولا إِخْفاءِ شـ
30
ىءٍ حاصِـلٍ وتكُـون خَيْرَ مُحـامِ
عَنْ كلِّ شَعْـبٍ قَدْ غَـدا مُتَشَــرِّدًا
31
وكأنّـهُ في هَجْمــةِ "تسُــونامي"
دَرْعَـا، لأَنْتِ الدّرعُ يَحْـمِيْ أهْلَـهُ
32
يومَ الْـوغَـى مِنْ هَجْمـةِ الأقْـزَامِ
دَرْعَـا لقدْ فُقْتِ البَـواسِلَ جُــرْأةً
33
وفَعَـلْتِ مَـا لمْ يأْتِ فـي الأحْـلامِ
دَرْعَـا لَـقَدْ كُنتِ الْمُعَــلّمَ جِيْلَنـا
34
مَعْنَى البُطولَةِ في دُنَـى الإِحْجَــامِ
دَرْعَـا لأنْتِ النُّـورُ أذْهَبَ ليلَنـَـا
35
وقَضَـى عَلى الأرْجَاسِ والأوْهَـامِ
أعْلَنتِهـَـا بَيْضَـاءَ نَاصِعَةً خَــلَتْ
36
مِنْ كلِّ عُـنْفٍ شَابَــهَا وقَتَـــامِ
لكنّـهُمْ أبْـكَـوْكِ دمْـعَـًا دامِـيـًا
37
واستبْدَلُوا الأسيَــافَ بالأقْـــلامِ
كنْـتِ الجَـوادَ بِكُلِّ غَــالٍ قيّــمٍ
38
قدْ كان جُـودُك مِثْلَ جُوْدِ غَمَــامِ
قدّمْــتِ شُبّانًا كـأنَّ وجُـوهَـهُـم
39
بَــدْرٌ تَـلألأ فاضِـحًا للِئَـــامِ
كانُـوا طَــلائِـعَ ثَـوْرَةٍ سِلْميَّـةٍ
40
جَاءَتْ تتيْــهُ بِثَــغْرِهَـا البَسَّـامِ
زَفّـتْ كواكبـَهَــا بِعُرْسٍ حَـافِلٍ
41
شهِـدَتْ عليْهِ مَلائِــكُ العَــلاّمِ
في مَـوْكبٍ خَرَجَتْ يَحُفّ بها الأسَى
42
من حِــقْـدِ جُندِ مُنَافقٍ نَـمَّــامِ
قدْ أمْطَـرُوْهَـا وَابِلاً مِنْ كيْـدِهِـمْ
43
رَدّتْ عَلَيْهِمْ كَيْــدَهُمْ بـ"سـَـلامِ"
بِعَـزيْـمةٍ لمْ تَثْـنـِـها نِيْرانُــهُم
44
هَزَمَتْــهُمُ، وسَمَـتْ عَـلَى الآلامِ
ومَضَتْ تَشُـقّ طريقَـهَا لا تنْـحَنِي
45
إلا لِخَـالِـقِـها مَــدَى الأيّــامِ
تـدْعُـو شَقيْقَــاتٍ لَهَا لِرِحَـابِهَا
46
يَـا إخْـوَتي، قَـلْبـِي إليْكُمْ ظَـاْمِِ
دَرْعَـا لأنْتِ عَزيزَةٌ في شَـامِنـَـا
47
وَالّلـهِ أنْتِ لَشــامةٌ فِـي الشّـامِ


الأربعاء، 9 مارس 2011

الخاطرة الحادية والعشرون


بسم الله الرحمن الرحيم
الخاطرة الحادية والعشرون
في الغالب؛ كل منا شاهد على شاشة الرائي (التلفزيون) ذلك الشيخ التونسي، وهو يمسح على شعر رأسه الذي ابيض شيبًا حين كان يخاطب الشباب قائلاً: جاء دوركم.. نحن كبرنا... نحن هرمنا...
كان الشيخ يقول ذلك وتكاد الدموع تترقرق في عينيه فرحًا بما يراه ماثلاً أمامه واقعًا حيّا ملموسًا بعد أن كان، حتى في المنام لا يحلم أن يراه، إنه الخلاص من كابوس الظلم والقهر الذي جثم على صدور التونسيين لعقود..، ويتكرر المشهد، بالمفهوم نفسه، في المحروسة مصر، وإن كانت الصورة تختلف بعض الشيء ...
أجل.. كانت حيوية الشباب الهدارة، ودماء الشباب الفوارة.. وراء ما حصل وأُنْجز.. ولكن حين تكلّم ذلك الشيخ التونسي ما تكلّم، وحين أصاب الذي قرر أن يُطلق على انتفاضة الشعب في مصر أنها حركة الشباب.. ما أحسب أن الشيخ أو أيّا ممن كانوا وراء التسمية المذكورة أنه دار في خلده أن يغمط الشيوخ حقهم..كما فعل بعضهم حين راح من دون تحفظ أو استثناء يُلغي أثر ما قام به الذين هم شيوخ الآن، وكانوا شبابًا من قبل من دور هام وبارز بما يناسب وقتهم، وفي الظروف المتاحة لهم... سواء كان ما قاموا به ممثلاً بأعمال قد يقتضي بعضها الكتمان والسرية تأسيّا بما كان عليه حال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بدء الدعوة.. إلى أن توفرت الظروف المواتية التي جعلت حمزة وعمر رضي الله عنهما يتقدمان صفين للمسلمين وقتئذٍ وهما يجوبان شوارع مكة معلنين تنفيذ ما أمر الله به: "فاصدع بما تُؤْمرُ" .. أو تمثل عمل شيوخ اليوم وشباب الأمس بأي صورة من الصور المشروعة لمواجهة الظلم وتحمُّل الشدائد في تلك المواجهة.. وإن كان لبعض ما نشير إلى التنبيه إليه وجهة نظر.. ولكن لا يجوز دمج الأمور هكذا... بجعل المشروع النافع إلى جوار المحظور الضار في النقد، وما من أحد يدّعي أن جميع ما قاموا به كان صوابًا.. ولكن لا ينبغي ألا يُغمط لهم حق، وألا يُشار إلى جهد لهم ونحن نشيد بمنجزات الشباب اليوم.. فهؤلاء الشباب ليسوا إلا نتاج جهود أولئك الشيوخ...
هذه واحدة، وواحدة أخرى يحسن التركيز عليها.. وهي أن الله سبحانه وتعالى يُملي للظالم.. ولكن لا يُهمله.. ولا يَغفل عنه... ومن يدري، فكما أنّ المرء الذي يتعرض لشدائد كثيرة وينجو منها ولا يموت بسببها.. نرى فيما بعد أن أقل سبب ينهي حياته، حين يأتي أجله الذي حدده الله له.. وكذلك الأمم.. فربما، لأمر يريده الله، لا تفلح محاولات مهما كانت مجدية وشديدة في إنهائها، حتى إذا جاء الأجل الذي حدده الله لها.. فتكون نهايتها بطريقة لم تكن في الحسبان!!..ولا يقولن قائل: إن هذا القول مدعاة للكسل والتثبيط.. إذ يجعل الناس تنتظر ذلك الأجل.. من غير أي عمل على إزاحة ما هم فيه من مظالم... وهذا غلط.. فالأجل يأتي للتغيير... وتغيير واقع الناس مرتبط بتغيير ما في نفوسهم... وحين يعلم الله أن النفوس قد تغيرت، وأنها بذلت وتبذل الجهد والوقت مع الصبر للتغيير.. يقرب الله أجل الانفراج بطريقة، هي في كثير من الأحيان غريبة ولم تخطر على قلب بشر... تمامًا كما حدث في دول أوروبا الشرقية... وفي تونس وفي مصر..وفي أمكنة أخرى من العالم...
اللهم لا تجعلنا من الذين يغمطون الناس حقوقهم، ولا من الذين يتقاعسون ولا يعملون على تغيير ما في أنفسهم حتى تُقَرِّب عليهم آجالَ الانفراج عنهم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
الخميس 5/ربيع الآخر/1432
                                  محمد جميل جانودي  

الاثنين، 28 فبراير 2011

رثاء نجم الدين أربكان

بسم الله الرحمن الرحيم
ألا يا رب مغفرة لنجمٍ
شعر/ محمد جميل جانودي
ذُهِـلْتُ بمَا رأيْتُ من السَّمـَـاءِ        توشَّـحَـت السّـوادَ بلا مِــراءِ

وبعْـدَ هُنَيْـهةٍ سكبَـتْ دُمُـوعًا          وجابَ نحيْبُهـا رحْبَ الفَـضَاءِ

سألْتُ أحِبـّتي، ما الأمْرُ حَتّى     حَدَا"الحَسْنَا"على هذا السّخَاءِ

وفيمَ عيُــونُـها فَاضَتْ كَسَيْلٍ        وفِيْـمَ الأرضُ ضَجّــتْ بالبُـكَاءِ

أجَابُوني، وهُمْ مِثْلِي، حَيَارَى        أحِِبّتُنَــا نَعَـتْ نَجْمَ السّمَـــاءِ

نَعَـتْ نجْمـًا، ولا نَجْمٌ كنَـجْــمٍ          أضَاءَ زمَـانـَه أسْنَى الضِّـيَـاءِ

أجَلْ، قدْ كَانَ نَجْمـًا لا يُبَارَى       تَألّق فِي الصَّباحِ وفي المَساءِ

طُفُــــولتُه تُـري رجُـلاً عظيْـمًا       رأى مَا كانَ مِنْ جَــهْدِ البَــلاء

رأى رمْزًا كبيرًا قــدْ تَـهــــاوَى     هَــوَتْ مَعَهُ رمُـوزُ الأوْفيَــــــاءِ

رأى دِيْـــــنًا قَويْـمًا قَــدْ تنحّى      بِمَـكْرٍ منْ أسـاطِـينِ الشَّقـَـاءِ

وحلّ محـلّهُ سِــفْـرٌ تــــــولّى       كتابتَــه صنــــائعُ ذي العِــدَاءِ

رأى تَبْــديْلَ حَرْفٍ كان مَجْــدًا        لأمّتِــــــهِ، ومَجْـلَبَـة الهَنـَــاءِ

رأى العربيّــةَ الفُصْحَى تُنَادي         لَقدْ أُقْصِيْتُ مِنْ أَلِفي لِيَائي

رأى أمْجَـادَ "عُثمــانٍ" عَـلاهَـا       غُبـــــارٌ هَــبّ مِـنْ دانٍ ونـَـاءِ

رأى الأخْلاقَ تُمْحَى مِنْ نفُوسٍ     وتُطْبَـــــعُ بالرّذيْــلَةِ والْخَنَــاءِ

تلفّــــتَ حولَــهُ فَـرَأى وَميْـضًا       بأفْئِـــدَةِ الرّجَــــالِ الأَصْفيــاءِ

تعهّـدَهُ بـِرِفْـــــقٍ واصْــــطِبَــارٍ      إلى أنْ صَـــار نَجْـمًا ذا بَهَـــاءِ

وأَضْحَى نُـورُه فـــي كلِّ بَيْــتٍ   تَجَلّى في الرّجَالِ وفي النّسَاءِ

وأعْلــى رايَــةَ الإسْـلامِ سِـلْمًا     يُـوَاجِـــهُ كيْــــــدَ مَـكْرٍ وازْدِرَاءِ

فأشْـرقَ وجْـهُ تُرْكــــــيّا عَـلَيْنَـا    أطَـلّ بِوَجْـــــهِ سَـعْـدٍ والْـبَـرَاءِ

وعــاشَ النّاسُ أحْــرارًا كِـرامًا       بفضْلِ غِـراسهِ أهْــلِ الوفَــاءِ

أقــــرّ اللهُ مُهْجَتَــــهُ بنَــــصْـــرٍ     تمثّـــلَ في التّحَــرّر والإبَـــــاءِ

بَكى فَرِحـًا لأن الحَقَّ أضْـحَى      عَــلانيَـةً يسيـــــرُ بِـلا اخْتِـفَـاءِ

وأضْحى أهْـلُه يَمشونَ هَــونًا     "سلامًا " قـولُهم عنْــدَ اللقَــاءِ

ألا يَــا أرْبَـــكانُ إليْكَ نَــــهْـفُـو      فأنـــتَ أخُـــو عُـلُـوٍّ وارْتِـقَــــاءِ

لقدْ عـلّمْتَ شعْبَك كيفَ يسْـمُو      بِصَـبْرٍ فِي الشّــدائدِ والعَنَـاءِ

بِحَمدِ اللــهِ في النّعْماء دَوْمـًا       وشُكْرٍ في الْمسَـرّة والرَّخَـاءِ

ألا يَــــا أربَـــكان إليْـكَ مــنّـــا        تـحيّةَ مَنْ أحبّــكَ في صَفَــاءِ

ونــرجُـو اللهَ أنْ تَـلْقـى قَبُــولاً       لَـدَى مَولاكَ في حُسْنِ الأداءِ

أنَجْـمَ الدّيــنِ مَعْـــذرةً فَـإنَّــــا       تبَـــاريْنـا بدُنيَـــــا الأشقيَـــــاءِ

وأغْمَــضْنا عيُــونًا عنْــكَ رَدْحـًا      وتِهْنَـــا في الولاءِ وفي الْبَـراءِ

غَرقنـا في بِحَـار القوْم حَتـى       نَنَــالَ لــديْــهمُ بعْـضَ الثنـَــــاءِ

نسيْــنا أنّ مَنْهجَنـــا قَــويْـــمٌ        وأنّ النّاسَ فيــهِ عَلى سـَــواءِ

فصَحَّحتَ الْمَسَـارَ وكانَ صعْبًـا      عَـلَيْكَ مسِيْـرُنـا دونَ اهتِـــدَاءِ

وجـاءَ المَوتُ نحْـوَكَ في أنَــاةٍ       كمــا يَأْتِـي كِـــرَامَ الأَتْقيَـــــاءِ

ونَــاداكَ الرّسُـولُ بِـكل رِفْــقٍ       إلى الرّحْـــمن هيّــا، للْعَــــلاءِ

فلبّيْــتَ النّـداءَ بكــل شَــــوقٍ       لتلْـقى الرّكبَ مَـوْفُـورَ الْجَـزَاءِ

ألا يَــا ربّ مَغْـفِــــــرَةً لِنَـجْـــمٍ       ألا يَــا ربّ، أجْـزِلْ في العَطـاءِ

الأحد في 24/ربيع الأول/1432 الموافق لـ 28/2/2011

السبت، 5 فبراير 2011

الخاطرة العشرون

بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ حمزة زعرور (رحمه الله)
كان بودي أن أؤجل الكتابة أو الحديث عنه إلى وقت أكونُ فيه أكثر استعدادًا من جميع النواحي لأوفيه بعض حقه.. ولكن ما جرى في تونس وفي مصر من أحداث غريبة ومثيرة وتسير من أجل التغيير ذكّرني بإلحاح بهذا الشيخ الفاضل.
 إن التغيير سنة ماضية في بني البشر.. وكذلك التجديد، ولكليهما سبل متعددة إلا أن أجداها هو ما كان أنفعها للبشر، وأبعدها عن الإضرار بهم، أو بما يخصهم.. وهو الطريق الذي سلكه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم كانوا إما مغيرين أو مجددين أو كلاهما معًا .. وطريقهم يتمثل في الدعوة لما يريدون أن يتغير حالُ الناس إليه، بالحكمة، والصبر على الأذى، والدفع بالتي هي أحسن، والفهم لأحداث التاريخ وتدبرها، وأخذ العظة والعبرة منها.. كل ذلك يجب أن يكون سمات أصيلة لأي دعوة للتغيير..  وبقدر ما تقترب ممارسات من يأخذون على عاتقهم التغيير من تلك السمات يكون التغيير أقرب متناولاً ونجاحًا.
أقول إن ذلك ذكّرني بالشيخِ حمزة زعرور (أبو بلال)، ذلك المجاهد المجهول..تعرّفت عليه عام 1964م وهو العام الذي انتسبت فيه إلى كلية العلوم في جامعة دمشق، فقد كان يعلمني مع مجموعة من الشباب أحكام التجويد، نلتقي معه بعد صلاة الفجر في غرفة عُلْوية في جامع "كفر سوسة" الكبير..وكان قد جاوز الستين عامًا.. لكن روح الشباب وحيويته ونضارته تسري في عروقه.. ومن خلال قراءة القرآن كان يركّز على بعض النقاط الهامة  التي تشير إليها الآيات المتلوة.. ولاسيما تلك التي لها علاقة بالتربية والدعوة والتغيير... وهو يتعمد ذلك لما يرى عند بعضنا، وكلنا شباب، من اندفاع وتسرع...
كان - رحمه الله - يركز على عدم مواجهة الناس أيا كان موقعهم في المجتمع بالعنف والفظاظة كيلا ينفضوا.. وكيلا تحصل عندهم ردود أفعال تنعكس على الجميع بما لا يسر.. ويوصي بالإحسان والصبر والتحمل وعدم اليأس، والاستمرار فيما ندعو إليه ما دام هو الحق.. وكان يأتي بأمثلة على ما يقول.. فمرّة ضرب لنا مثلاً قصة أخت موسى - عليه السلام - في الحكمة والصبر، والتروي، والذكاء، حين ذهبت في أثر أخيها الرضيع، موسى، مستغلة مشكلة، حيّرت فرعون وأهله، وهي إرضاع أخيها موسى، واهتمام فرعون وحاشيته بهذا الأمر.. كان الشيخ حمزة يقول: لو لم تكن هذه الفتاة على قدر كبير من الصبر والحكمة والذكاء، وسرعة البديهة في التعامل مع الحدث.. لما تمكنت من أن تعبر الحواجز والحرس والأبواب لتصل إلى بيت فرعون، وتبلغهم بما يريدونه هم، وفي نفس الوقت لتصل إلى هدفها الذي خاطرت من أجله..في إعادة أخيها إلى حضن أمه..
وكان يقول أيضًا: لو قُدر لك أن تُسجن في زنزانة منفردة، فلا تيأس، ولتكن عندك إرادة قوية بأن الفرج آت، والخروج محقق.. ولو لم يُتح لك إلا إبرة فاستخدمها في نحت جدار الزنزانة بهدوء، وليكن عندك أمل في النجاح.. وإذا كان لديك فأس فلا تستخدمها؛ لأنه ليس من الحكمة استخدامها، لأنها أولاً تضر في هدم الجدار بأكثر من الذي تحتاج إليه، وثانيًا تحدِثُ بلبلة وفوضى، وبذلك تفوت الفرصة عليك في الخلاص...
وكان يقول: لو أنك تريد الحصول على عشرة مطالب، وهي في يد خصمك.. فاختر أيها أهم وأنفع لك، ثم احصل عليه حتى لو تنازلت عن التسعة الأخرى التي هي ليست – مجتمعة - بأهمية العاشر الذي صار في حوزتك...
وكان يقول.. لقد أخذ موسى بني إسرائيل معه مغادرًا بهم مصر.. بالرغم من رفض فرعون لذلك.. خرج موسى معهم مسالمًا لا يملك عتاد فرعون وجنده... لكنه قام بما يعلم أنه يجب أن يقوم به دون أن يكون مكترثًا لغضب فرعون حين يُعصى أمره ولا تنفذ إرادته... فالقيام بما هو حق من غير أن يجلب ذاك القيام ضررًا أو أذًى إلا ما يترتب عن تصرفات شاذة من فرعون لقاء ذلك.. هذا القيام واجب.. والله يتولى الحفظ والفرج والنصر.. وخاف بنو إسرائيل، وقالوا لموسى حين لحق بهم فرعون " إنا لَمدركون" فطمأنهم موسى عليه السلام قائلاً: " كلا، إن معي ربي سيهدين".. فالمواجهة في هذا الظرف خاسرة..
فالصبرَ الصبرَ... والعلمَ العلمَ... والتفقّهَ التفقهَ بالواقع.. وبغير ذلك لا جدْوى...
إذا خرجنا من المسجد وتفرقنا، كان بيته على طريق بيتي، وحين نصل إلى أمام باب منزله، يُمسك بيدي ويدعوني لتناول طعام الفطور عنده، فإن اعتذرت قال لي مداعبًا ببسمته المعهودة لدى كل من عرفه "عمّي محمد، لا يخطر ببالك أنني أُحرج أو يُحرَجُ أي من أفراد أسرتي.. إنني أسير على مبدأ ((نحن لا نتكلف المفقود، ولا نبخل بالموجود)) ثم يشد يدي فلا أجد نفسي إلا وأنا في بيته..
له أربعة أبناء ذكور، وعنده بنات أيضًا.. أسماء الذكور: بلال، وصهيب، وسلمان ، وقسورة.. وكان يقول: أردت أن أُبْعدَ الإحساس بالعصبية العرقية أو القومية.. فأنا جمعت في بيتي الرموز الرومية والفارسية والحبشية والعربية تحت ظل الإسلام وسألته مرة: أين الرمز العربي؟ فمد يده باتجاه ابنه قسورة وقال: هذا..
والشيخ حمزة زعرور من بلدة " القدموس" بالقرب من "مصياف" وأظنه كان حنفيًا، ولكن لديه من علوم الشافعية الكثير.. يأكل من كد يده وعرق جبينه، فقد كان عنده محل لبيع راويات الماء المصنوعة من "الكاوتشوك" وكذلك الدِلاء التي يُنزح بها الماء من البئر، وغير ذلك من الأوعية المطاطية. ومحله هذا كان في السنجقدار، وأحيانًا كنت أمر عليه فأجد بيديه المخرز والإبرة وهو يعمل بجد ونشاط.. والذي يصافحه يحس بخشونة واضحة في يديه من أثر العمل بتلك المهنة....
رحم الله الشيخ حمزة، ونفعنا بعلمه الذي علّمنا إياه..
الجمعة 1/ربيع الأول/ 1432.
                                            محمد جميل جانودي